مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية 

من الصداقة التاريخية إلى التحالف.. ثلاثون عاماً على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين سورية وأرمينيا

الأحد, 6 آذار, 2022


لا يمكن استعراض العلاقات الدبلوماسية بين سورية وأرمينيا من دون التنويه بأنها امتداد طبيعي لتاريخ طويل من العلاقات بين الشعب السوري والشعب الأرميني على مر القرون، والتي ترسخت على أسس حضارية وتاريخية وثقافية وإنسانية.

كانت العلاقات الرسمية قد بدأت في فترة الاتحاد السوفييتي، حيث تعدّ زيارة الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى جمهورية أرمينيا السوفييتية عام 1979، من أولى المحطات في العلاقات الثنائية بين البلدين، وقد قام بزيارة النصب التذكاري لشهداء الإبادة الأرمينية وغيرها من المعالم في يريفان.
وقال في إطار الزيارة: «لقد كان شعبكم دائماً يتميز بالحيوية والنشاط والجهد من أجل بناء أفضل، سواء داخل وطنكم أم خارجه حينما وجد أفراد أو مجموعات من هذا الشعب. ويسرني أن يكون كثيرون من أبناء هذه الجمهورية قد أمضوا في سورية فترة من الزمن، عندما عادوا إلى هنا تركوا وراءهم سمعة جيدة وكانوا مخلصين في جهدهم وأوفياء في علاقاتهم. وتجدر الإشارة إلى أنه من بين الروابط العديدة القائمة بيننا فإن الروابط العائلية قائمة بين الكثير من العائلات في سورية وأرمينيا وهي تشكل رابطة إنسانية مهمة».
وتحتفل جمهورية أرمينيا هذا العام بالذكرى الثلاثين لاستقلالها وتأسيس علاقاتها الدبلوماسية مع العديد من الدول، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وإعلان أرمينيا استقلالها عام 1991.
ويتخذ السادس من آذار 1992 تاريخاً لتأسيس العلاقات الدبلوماسية مع سورية، وهو يوم توقيع اتفاقية «إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الجمهورية العربية السورية وجمهورية أرمينيا»، التي تعد أول وثيقة يتم توقيعها رسمياً بين سورية وأرمينيا بعد استقلالها، حين قام وزير خارجية جمهورية أرمينيا بزيارة رسمية إلى دمشق في 6 آذار 1992.
ورسخت هذه الاتفاقية قرار الدولتين بإقامة علاقات دبلوماسية على مستوى سفارات، انطلاقاً من الروابط التاريخية والاجتماعية بين البلدين، وسعي حكومة الجمهورية العربية السورية وجمهورية أرمينيا إلى تطوير العلاقات الثنائية وفق مبادئ وأهداف ميثاق هيئة الأمم المتحدة. وقد أعربتا عن قناعتهما بأن توطيد العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية أرمينيا والجمهورية العربية السورية يخدم قضية تعزيز السلام والأمن في الشرق الأوسط، وأبدت الحكومتان رغبتهما في تطوير علاقات الصداقة والتعاون بين البلدين في الميادين السياسية والاقتصادية والتجارية والعلمية والفنية والثقافية.
وفي نهاية شهر آذار من العام نفسه، قام وزير الخارجية السوري بزيارة رسمية إلى أرمينيا، وتم التوقيع على بروتوكول «إقامة مشاورات دبلوماسية بين وزارة خارجية الجمهورية العربية السورية وجمهورية أرمينيا»، واتفاق تعاون تجاري، وآخر ثقافي بين حكومة الجمهورية العربية السورية وجمهورية أرمينيا.
محطتان بارزتان في عام 1992 في مسيرة العلاقات بين البلدين؛ تجسدت أولهما في قرار الرئيس الراحل حافظ الأسد بإرسال ستة آلاف طن من القمح لمساعدة أرمينيا في شتاء 1992.
وثانيهما، زيارة أول رئيس لجمهورية أرمينيا إلى سورية في نيسان 1992 التي شكلت محطة مهمة في تأسيس العلاقات، وقال الرئيس الراحل حافظ الأسد بمناسبة الزيارة: «إنكم تحلون في بلد فتح في ساعة المحنة والشدة ذراعيه للأرمن الذين لجؤوا إليه، فوجدوا فيه الأمن والاستقرار، وعاشوا في راحة وطمأنينة، وأصبحوا جزءاً من شعبه، لهم ما لسائر أبناء البلد من حقوق وواجبات المواطنين. فاندمجوا في حياة سورية التي وفرت لهم فرص الحياة الكريمة والحرية الكاملة للحفاظ على لغتهم وتراثهم الروحي والقومي، فبادلوا المحبة وعاشوا مواطنين شرفاء وساهموا بجهودهم ومهاراتهم في إغناء حياة البلاد، واكتسبوا بفضل إخلاصهم للوطن السوري تقدير واحترام هذا الوطن حكومة وشعباً. والعلاقات بين الشعب السوري والشعب الأرميني، بل بين الأمة العربية والشعب الأرميني لها جذور ضاربة في التاريخ وليست وليدة الماضي القريب فقط. وثمة تبادل حضاري بين العرب والأرمن يمتد على قرون عديدة».
بدأت السفارة الأرمينية بدمشق أعمالها في تشرين الثاني عام 1992، وتم افتتاحها رسمياً في 5 نيسان عام 1993، وقبلها القنصلية العامة في حلب في شباط عام 1993، ولاحقاً القنصلية الفخرية لأرمينيا في دير الزور عام 2010، بالمقابل تم افتتاح السفارة السورية في عاصمة أرمينيا يريفان في أيلول 1997.
وتتالت الزيارات الرسمية المتبادلة لوفود ترأسها رئيس الوزراء ورئيس البرلمان ووزير خارجية البلدين، ورسمت الاتفاقيات التي تم توقيعها في مجالات عديدة ملامح العلاقات بين حكومتي البلدين.
من المحطات المهمة في مسار العقود الثلاثة، نشير إلى زيارة رئيس جمهورية أرمينيا إلى دمشق، لحضور مراسم تشييع الراحل حافظ الأسد وتقديم واجب العزاء بتاريخ 12 حزيران عام 2000.
وكذلك الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس بشار الأسد والسيدة عقيلته إلى أرمينيا في حزيران عام 2009 التي شكلت خطوة على طريق ترسيخ وتعميق العلاقات بين البلدين.
ووصف الرئيس بشار الأسد في كلمة له أثناء الزيارة بأن العلاقات بين البلدين تقوم على قاعدة صلبة، وعلينا الانطلاق فيها بسرعة إلى الأمام.
منوهاً إلى أن الشعبين مرا في مراحل تاريخية صعبة في القرون الماضية أدت لأن يكون هناك التقاء بينهما، وهذا الالتقاء كان حقيقياً يتجسد في السوريين من أصل أرميني الذين يعيشون في سورية مواطنين سوريين بامتياز منذ أن أتوا إلى سورية واندمجوا بثقافاتها وبعاداتها وبشعبها من دون أن يتخلوا عن ثقافتهم الأم وعن تاريخهم أو قضاياهم وخلقوا نموذجاً خاصاً وفريداً في التمازج بين الثقافات في أي مكان في العالم وأضافوا للتنوع الثقافي الغني الموجود في سورية المزيد من الغنى.
بالمقابل أتت الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الأرميني سيرج سركيسيان وعقيلته في آذار 2010 إلى دمشق، للدفع بالعلاقات إلى الأمام وزيادة التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية.
يذكر أنه خلال العقود الثلاثة تم التوقيع على عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي شملت مجالات الثقافة والصحة والعدل والداخلية والتعليم العالي والبحث العلمي والصناعة والكهرباء والطاقات المتجددة والرياضة والزراعة والاقتصاد والاستشعار عن بعد إضافة إلى برامج تنفيذية للتعاون العلمي والفني، وذلك تلبية لقرار القيادات السياسية في البلدين، ومن خلال العمل الحثيث والجهود التي تبذلها السفارة الأرمينية في دمشق والسفارة السورية في يريفان.
وفي فترة الحرب الإرهابية على سورية، لابد من الإشارة إلى موقف أرمينيا في دعم سورية في حربها على الإرهاب في المجال السياسي والإنساني، وكذلك اتخاذ القرار في إبقاء ممثليات جمهورية أرمينيا في سورية رغم أوضاع الحرب، إلى جانب إرسال أطنان من المساعدات الإنسانية إلى سورية من المواد الغذائية والملابس، وزعت في عدة محافظات في سورية.
كما أرسلت الحكومة الأرمينية في عام 2019 البعثة الإنسانية الأرمينية، والتي يرى الجانب الأرميني أنها تهدف إلى العمل الإنساني لمساعدة الشعب السوري الذي احتضن الشعب الأرميني ولا سيما بعد الإبادة التي ارتكبت بحقه وأن الشعبين جزء من نسيج واحد. وتضم البعثة أطباء يعملون مع المراكز الصحية وخبراء في إزالة الألغام، وقد أنجزت عمليات إزالة الألغام من مخلفات المجموعات الإرهابية في ريف حلب الجنوبي وغيرها من المناطق.
ورغم الظروف المحيطة في السنوات الأخيرة، فإن العلاقات الدبلوماسية المتينة بين سورية وأرمينيا كان لها انعكاساتها الإيجابية على مجالات مختلفة في السياسة والاقتصاد وغيرها، ورسمت محطات مهمة عديدة:
سياسياً؛ لابد أن نذكر زيارة وزير خارجية أرمينيا إلى دمشق في أيار 2015، والتأكيد على أهمية الارتقاء بعلاقات التعاون إلى مستوى العلاقات السياسية الرفيعة بين البلدين.
إلى جانب استمرار التعاون في إطار المحافل الدولية، واللقاءات المتبادلة على هامش المؤتمرات الدولية لوزراء خارجية البلدين والمشاورات السياسية للتأكيد على ضرورة الارتقاء بالعلاقات الثنائية وتطويرها بما يخدم مصلحة البلدين، واستمرار التواصل والتنسيق بين الجانبين سواء على الصعيد الثنائي أم في المحافل الدولية.
وكان الجانب الأرميني يؤكد دائماً حرص بلاده على تطوير علاقات التعاون المشترك مع سورية في جميع المجالات مجدداً تأييد أرمينيا لوحدة وسيادة سورية أرضاً وشعباً.
برلمانياً؛ من خلال تفعيل الدبلوماسية البرلمانية، ونذكر زيارة رئيس مجلس الشعب السوري إلى أرمينيا في نيسان عام 2015 للمشاركة في فعاليات الذكرى المئوية للإبادة الأرمينية، وزيارة وفود برلمانية أرمينية إلى سورية في آذار 2014 وحزيران 2015 للوقوف إلى جانب سورية ودعمها في الحرب على الإرهاب. ولا يمكن إغفال القرار التاريخي لإدانة جريمة إبادة الأرمن والاعتراف بها من مجلس الشعب السوري في شباط 2020.
أما اقتصادياً؛ فقد تم تأسيس مجلس الأعمال السوري الأرميني عام 2009، وتابع أعماله رغم الحصار الاقتصادي والمعوقات، إلى جانب تفعيل حركة الطيران بين دمشق ويريفان، والمصادقة على اتفاق الخدمات الجوية بين الحكومتين مؤخراً.
إن علاقات الصداقة بين سورية وأرمينيا كانت ولا تزال تقوم على أساس الاحترام والثقة المتبادلة، وقد التزمت الدولتان بتوسيع العلاقات على جميع الأصعدة الاقتصادية والسياسية والثقافية.
ومن الضروري اليوم، إعادة تفعيل الاتفاقيات الموقعة بين البلدين والعمل على زيادة التبادل التجاري والاستثمارات بين البلدين، وعقد اجتماعات اللجنة المشتركة السورية الأرمينية، خدمة لمصالح الشعبين والبلدين الصديقين.
في النهاية، تلك الخطوات من العلاقات الدبلوماسية بين سورية وأرمينيا خلال العقود الثلاثة أسست لأبعاد متينة، يتوضح من خلالها السعي لإقامة علاقات أساسها الشراكة والاندماج الحضاري، ومبنية على صداقة تاريخية أفرزت تداخلات حضارية وثقافية ولغوية، وترابط ثقافي إنساني، وكذلك رغبة مشتركة في تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، والعمل على رفع مستوى العلاقات بين دمشق ويريفان إلى مستوى التحالف الإستراتيجي على كل الأصعدة، كما صوّرها الرئيس بشار الأسد بأنه لا يمكن أن تقاس العلاقات بين سورية وأرمينيا بالجانب الرسمي وإنما يجب أن تقاس بجانبها التاريخي والشعبي والثقافي والعاطفي.



عدد المشاهدات: 992

طباعة  طباعة من دون صور


رزنامة نشاطات المجلس
للأعلى