مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية 

لنتعارف من جديد .. د. نبيل طعمة

الخميس, 4 تشرين الثاني, 2021


لا عجب إذا عجز الناس عن فهم بعضهم في هذا الزمن المادي الذي سار إليه الكثرة، والنادرون منهم عرفوا قيمة الحقيقة وقوتها، سنون مضت وتراكمت، جسّدت زمن الحماقة الذي تربع على عصر الحكمة، وساد الجحود على عهد الإيمان، واختبأت الأنوار خلف حجب الظلمة، هذه التي كان ربيعها دماراً ودماءً، وشتاؤها قنوطاً واستياءً، وصيفها نزل فيه إله الحرب، فأخذ الكل يدافع عنه.

 كان المشهد يرسم أمامنا كل شيء، وفي الوقت ذاته لم يكن يعني للجميع أي شيء سوى البقاء، سنون مازالت أطرافها مشتعلة، ومازال المتفاعلون معها أقرب للطالح من الصالح، وأفكارهم غنية ضمن أجوائها، لا تريد الخروج منها.

مؤكدٌ أن الأقوى علمياً واجتماعياً وسياسياً أقدر على تحديد أسباب انحلال واقعه، ومن ثم إعادته إلى تناسقه الخلاق، هذا الانحلال الذي سببته المادية البربرية العاملة على سحق السمو العقلي، من أجل تدمير التسامح واللطف والعواطف والسيطرة على البسطاء والمستضعفين. من يمنع ذلك؟ طبعاً الإنسان العاقل، الذي يحمل على كواهله إعادة إنشاء ذات الإنسان، وجعله في تمام شخصيته التي أضعفتها الحياة العصرية ومقاييسها التي تستند إلى تدمير ممنهج لهذا الإنسان. 

لنفكّر من جديد، ولنبحث عن طريقة نلتقي فيها، وكأننا غرباء، ولنبدأ بالتعارف، لأن ما قمنا به لم يكن مهنة أو حرفة تظهر معلمين ناجحين أو فاشلين، مؤكد هي ليست كذلك، هي أفعال قطاع طرق وأُجراء تخريب وهدم وقتل وشرذمة، لم نرَ منها إلا الانتقام وزعزعة للأمن والاستقرار والإقصاء، لنتعارف من أجل أن نضع الأيادي على الحقيقة التي تريد سؤالنا: لماذا وصلنا إلى هنا، وكل منا ناصب العداوة للآخر، ووقف الجميع على مفترق الطرق؟

 صحيح أن الحياة تمضي بما فيها، ولو أنها كانت هادئة رتيبة، وأضفت على الجميع هباتها المألوفة لتغيرت معالمها، وانطبعت مصائر الأحياء بالتشابه، لكنها تعطي هنا، وتسلب هناك، وحين تقدم للبعض الحبَّ والأمن والرفاه، فإنها تضع في طريق الآخرين الحواجز والعقبات، فهي تجري على منطقها، كي تحقق غايتها، تتماثل أفعالها ضمن إرادة الإله الذي كان بإرادة كن يخلق البشر ملائكة، لكنه أدرك لو أنه فعل لكانت الحياة منقوصة ومن أجلها؟ «قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو....» وقال: «ليبلوكم أيكم أحسن عملاً....» فمشيئته أن يكون على الأرض صراع، وعلى صخرة هذا الصراع الدائم بين الناس، والناس والحياة يذهب الكثيرون حطاماً، بينما ينتصر الأقوى في ضرام المعارك، حتى وإن دفع في سبيلها الحياة المادية الفانية، لذلك أجدني أدعو لاعتماد سياسة إنشاء الإنسان من جديد، هذه التي تدرس أحواله اللامادية قبل المادية، إذا أردنا تطويره نحو الشكل الإنساني المقنع لأسباب وجوده، وإن تركناه ينفلت فهو أخطر ما يكون ليس على الحياة العامة فقط، إنما على أخيه الإنسان.

الحياة ضنينة في أعمار أحيائها، حالها كذلك في الحبِّ والأمن، وإنسانها المؤمن حقيقة ليس وهماً، يدفع من دمه هبة للإنسانية، ولها من أجل أن ترد عليه بعضاً من هباتها، وربما ليس في حياته، إنما بعد أن يذهب بلا عودة، هذا هو إنسانها، منهم من يتخذ الطبيعة ملهماً له، ومنهم من يتخذ السياسة أو الحرب أو التجارة أو الدين، والجميع يلقون مع النجاحات التي يحققونها صنوف العذابات والخيبات والخيانات.

 أيام وسنون تطول أو تقصر، ترتمي الشهرة بين أناملهم المتعبة وأفكارهم المرهقة فيفقدونها، ثم يتركون كل ذلك، تبقى واقعة صادقة دقيقة الخيوط المتراوحة بين الأبيض والأسود المرسومة بعناية فائقة، تبهر إنسانها من دون أن يبهرها، لأن كل ما ينجزه يكون خدمة له أولاً وأخيراً، فمعجزة الخبز والسمك تتقارب مع معجزة الملائكة والولادة والعبادة والفتق والرتق، والمعجزة تعني المستحيل زائد ممكن، هل نتفق على الالتقاء والتعارف من جديد؟ ونصنع المعجزة الإنسانية، لأن الجاهل والمستهتر يشوهان كل شيء جميل وفريد، والغاية دائماً هي الحياة، وإن كانت على هامش الأحلام التي تبتعد عن الحقائق التي هي أجمل مما نتخيل، وعلى الرغم من آلامها ومحاولاتها تتكسر الحواجز ليبقى إنسانها أشبه بالبركان الثائر، إلى أن يمسّه الحب فيهدأ، وتتحرك مشاعره وملكاته الدفينة، ليعطي أجمل ما لديه لمن يعشقه مادة فيبدع، وعشقاً فيبهر، وإنسانيةً فيخلد، ووطناً فيسمو، وإيماناً به فينجو، فهل نتجه للتعارف؟.



عدد المشاهدات: 242

طباعة  طباعة من دون صور


رزنامة نشاطات المجلس
للأعلى