مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية   النشاط البرلماني  ورشات العمل

أدوات الرقابة البرلمانية على الحكومة

السبت, 16 أيار, 2009


أدوات الرقابة البرلمانية على الحكومة

 

المحور الأول:

أشكال الرقابة البرلمانية وأدواتها

إذا كانت السلطة التشريعية واحدة من السلطات الثلاث إلى جانب السلطتين التنفيذية، والقضائية، إلا أنها أصبحت اليوم السلطة الأهم في ظل مطالب وسياسات الإصلاح السياسي، وتعزيز بناء المؤسسات الديمقراطية.

إن الفكرة الأساسية في التقسيم الوظيفي للسلطات وإبراز أهمية الوظيفة التشريعية هي قاعدة المشروعية، أي وجود إطار عام لمشروعية كل النشاطات التي تتم داخل الدولة. ولتحقيق ذلك تتولى مهمة إصدار القوانين هيئة نيابية تمثل سلطة الشعب على سياسات الحاكم (ومعاونيه، أي السلطة التنفيذية)، وتظل العلاقة بينهما محكومة بالمشروعية، التي تحرص عليها هيئة مستقلة هي القضاء. ويعنى هذا أن "القانون" لا يوجه إلى شخص معين بالذات، بل إلى المجموع، وبصورة عامة ومجردة، وأنه يلزم الخضوع له، وأن هذه هي مسئولية الهيئة النيابية، أي أن السلطة التشريعية قاعدة انطلاق السلطة التنفيذية وإطار لمراقبة أدائها أيضا.

ويكمن الغرض من توزيع السلطات في عدم تركيز السلطة بيد فرد أو جماعة أو لجنة أو مجلس، لأن السلطات الثلاث مجتمعة تسهم وبشكل مشترك في ممارسة السلطة الواحدة في الدولة، أي سلطة الحكم.

لذا فإن التأثير المتبادل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية (البرلمان، المجلس، الهيئة النيابية..) يتجسد خصوصاً فى مسؤولية السلطة التنفيذية أمام المجلس، وتلك أهم المميزات في النظام البرلماني، مما يعنى تحقيق التوازن بين السلطتين من خلال استخدام الوسائل القانونية المنصوص عليها في الدستور والقانون.

وقد أدت غلبة العوامل الاقتصادية على العوامل السياسية إلى زيادة دور السلطة التنفيذية (أي "الحكومة"، بالمعنى الدارج) في حياة المجتمع، وتحولت من منفذ فقط إلى موجه ومحرك للدولة ككل، وخصوصاً بعد التطور الهائل الاجتماعي والاقتصادي نحو عصر ما بعد الصناعة، والعولمة، وبروز طبقة جديدة فرضت حضورها كسلطة اجتماعية وسياسية هي فئة التكنوقراط، وأصبح من الضروري إشراكها في التوجهات العامة لصناعة القانون والقرار، مما أعطى السلطة التنفيذية مقدرة جديدة في لعب دور المحرك والموجه.

وبرغم اتساع دور السلطة التنفيذية ليمتد إلى التخطيط السياسي والاجتماعي والاقتصادي وانحسار فعالية البرلمان أمام تمدد فاعلية الحكومة، إلا أنه قد أصبحت الحاجة ملحة اليوم لإنعاش البرلمان لكى يلعب دور المقيد والمراقب والمعارض في بعض الأحيان لأداء الحكومة، وذلك ضمن القواعد الدستورية والقانونية، لتعزيز بنية المؤسسات اللازمة لترسيخ الديمقراطية. وفي نفس الوقت، فإن قيام البرلمان بهذا الدور، يتطلب توافر شرطين رئيسيين، ضمن أمور أخرى، هما:

الأول: إرادة الإصلاح، وهذا أمر يتعلق بالمجلس نفسه، إذ يفترض أن يكون لدى البرلمانين الرغبة الحقيقية في مراقبة الحكومة". وتتحدد السلطة الكافية للمجلس النيابي للاضطلاع بدور الرقابة عادة من خلال الإطار القانوني أي في الدستور والأنظمة أو اللائحة الداخلية التي تنظم عمله وصلته بالسلطة التنفيذية، أما قدرة المجلس على ممارسة دور الرقابة فلا تحددها القوانين المجردة بل رغبة الأعضاء في ممارسة صلاحياتهم (التي هي في الحقيقة واجبات عليهم كوكلاء عن الناخبين) وكذلك الإمكانات المادية والبشرية الملموسة التي توضع تحت تصرف النواب للقيام بالمراقبة.

والغرض الرئيسى من تأمين هذه الإمكانات هو السماح للمجلس وللنواب بالحصول على أكبر قدر من المعلومات حول أداء السلطة التنفيذية إذ أنه بدون هذه المعلومات يستحيل على النائب القيام بمهمته في المراقبة. ومع ذلك فقد يتوفر للمجلس الاطار القانونى للاضطلاع بمهام الرقابة، وكذلك الإمكانات المادية والبشرية التي تيسر له تنفيذها، ولكن دون أن يكون لدى المجلس ونوابه الرغبة أو الإرادة الكافية لممارسة هذا الدور، ذلك أن هذه الرغبة تتأثر بالأجواء السائدة فى البلاد أي بعوامل خارج نطاق العمل البرلمانى الضيق، وهو ما يوضح أهمية الشرط الثاني.

الشرط الثانى يتعلق بالظروف العامة الذى يعمل فيه البرلمان، منها نوع الثقافة السياسية السائدة فى البلاد. وتوفر الثقافة السياسية المناخ أو الخلفية الفكرية التي تتكون فيها نظرة المواطن إلى المجلس ومدى استعداده للتعاون معه. كذلك، تؤثر الثقافة السياسية على نظرة الموطن إلى الانتخابات كوسيلة من وسائل المشاركة في العمل البرلمانى، وإلى الأحزاب، التي يجب أن تلعب دوراً مهما فى تكييف الحياة البرلمانية. كما أن قيام تعددية سياسية حقيقية ينعكس على واقع المجلس تعزز دوره الرقابى، فالتكتلات البرلمانية الحزبية أكثر قدرة من النواب فرادى على مراقبة الأداء الحكومي وعلى الحصول على المعلومات الضرورية للاضطلاع بهذه المهمة.

كما أن تحقيق مبدأ تداول السلطة يعزز ميل نواب المجلس، خاصة من المستقلين والمعارضين، على القيام بالدور الرقابى. ويلعب الإعلام الحى والمستقل دوراً مهما في تشجيع النواب على الاضطلاع بالدور الرقابى، وفى إمدادهم بالمعلومات التي يستفيدون منها في عملية الرقابة. وللعوامل الخارجية تأثير مهم أيضاً على تطور الحياة البرلمانية، وعلى قيام المجلس بدور الرقابة على السلطة التنفيذية خاصة في مجال علاقات الدول الخارجية.

 

معنى الرقابة البرلمانية

للرقابة البرلمانية ثلاثة معان رئيسية:

الأول هو المعنى الدستوري (أي سلطات وصلاحيات للمجلس النيابي من أجل رقابة أعمال الحكومة).

الثاني هو المعنى الفني/التنظيمي (أي الإجراءات والقواعد المنظمة لممارسة أعضاء البرلمان اختصاصهم الرقابي والأصول الفنية لهذه الممارسة).

الثالث هو المعنى السياسي، أي كون البرلمان المؤسسة النيابية للدولة التي تحتضن فكرة سيادة الشعب على الحكم وتمثل الطرف الأول في العقد الاجتماعي الذى تبرمه نيابة عن المجتمع مع الحكومة. في هذا السياق، يمكن التأمل في المعاني والدلالات التالية للرقابة البرلمانية.

وفى ما يتعلق بالأوضاع الداخلية للبرلمان فنجد انه يتوافر الإطار القانوني الملائم نسبياً للقيام بالعمل البرلمانى. ولكن هناك قصور كبير في العمل الرقابي للبرلمان ويمكن أن نحيل هذا القصور إلى قلة عدد نواب المعارضة في البرلمان أو إلى افتقار البرلمان إلى التجهيزات اللازمة، مثل مراكز المعلومات والدوائر الفنية المساعدة… والكفاءات الإدارية.

ولا يزال العمل البرلماني يشكو عدم وجود مراكز بحوث متعددة ومتخصصة يمكن الاعتماد عليها في مناقشة الحكومة ومراقبتها. كما أن مراقبة الأداء الحكومي تتطلب أساساً جمع البيانات والمعلومات من مصادرها الأولية، وبخاصة الإدارات والمؤسسات العامة أو الذين يملكون ملاحظات مهمة عن سير العمل الحكومي، وقيام هؤلاء بإعطاء ما لديهم من معلومات للنائب. كما يجب أن يتوفر للنائب ضمانات بعدم تعرضه لردود فعل سلبية من قبل الجهات الحكومية التي يمكن أن يمسها بشيء من خلال المعلومات التي حصل عليها.

ومن جهة أخرى نجد أن البرلمان لا يزال خاضعاً بصورة عامة للسلطة التنفيذية من خلال الأغلبية البرلمانية التي لدى الحزب الحاكم، الأمر الذى يحد من قدرة البرلمان على القيام بدوره الرقابى.

كما أن استخدام النواب وسائل المراقبة محدودة التأثير كطلبات الإحاطة، والاهتمام بالأمور المحلية أكثر من الوطنية، والانحسار في القضايا الأقل تأثيراً في الأوضاع العامة والأقل مساساً بمصالح المجتمع، يقيد من فعالية وسائل الرقابة البرلمانية ككل.

 

سمات الوسائل الرقابية

الرقابة البرلمانية وظيفة تهدف إلى ممارسة البرلمان لقدر من القوة والنفوذ يوازن به ما لدى السلطة التنفيذية، فلا تنفرد إحدى السلطتين بمقاليد الأمور، وإن كان كلاهما فرعا للحكومة. ولهذه الوظيفة نطاق أو ملائمة، تحدد المقصود بها، والمستهدف منها.

فمظلة ولاية الرقابية للبرلمان تمتد إلى مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع، وإن كانت تأخذ صورا مختلفة وأبعادا متقاطعة. فهناك الولاية الدستورية المباشرة للبرلمان على أعمال السلطة التنفيذية وتأخذ صورة مناقشة سياسات الحكومة والموافقة عليها قبل تنفيذها (مثل "مناقشة وإقرار برنامج الحكومة"، و"التصديق على مشروع الموازنة" في الولايات المتحدة، و"إبداء الثقة في تشكيل الحكومة" في بريطانيا وروسيا) وكذلك أثناء تنفيذها (بوسائل رقابية مثل السؤال والاستجواب وتشكيل لجان تقصى الحقائق ولجان استماع..)، وأيضا بعد تنفيذها (مثل اعتماد الحساب الختامي للدولة).

وهناك الولاية الدستورية غير المباشرة، وتمتد إلى أعمال السلطة التنفيذية وأنشطة المؤسسات والهيئات والأفراد في المجتمع، بل وكذلك وضع قواعد عمل السلطة القضائية، وذلك دون التدخل في عملها الموضوعي، أي الفصل في المنازعات وفقا للقانون، الذى يضعه البرلمان ذاته. فإن كان البرلمان يعمل في إطار الدستور، ويخضع في ممارسة دوره التشريعي لرقابة سلطة قضائية أعلى ومستقلة، هي المحكمة الدستورية العليا، فإنه يظل الجهة المنوط بها دستوريا وضع القواعد التي تحكم عمل المؤسسات العامة والخاصة الأخرى، وتنظم حقوق وواجبات الأفراد.

وهناك ثالثا، الولاية السياسية للبرلمان، باعتباره ممثلا للشعب، وتمتد إلى السياسات وليس فقط  إلى الإجراءات، وتتمثل في مراجعة مضمون السياسات العامة، وضمان مدى توجيه الموارد المادية والبشرية للمجتمع في الوجهة التي تحقق مصالحه وتحترم إرادته، سواء على مستوى السياسات الداخلية أو الخارجية.

التطورات العالمية وأثرها في الدور الرقابي للبرلمان

نشهد اليوم تطورات هامة تعزز من مكانة السلطة التشريعية في الدول الديمقراطية وقدرتها على الاضطلاع بدورها الرقابي، حتى أسماه البعض "عصر البرلمانات". وتجلت هذه التطورات في الحقول الآتية:

  1. التطورات السياسية: وتمثلت في انتشار النظم الديمقراطية وبروز أهمية البرلمان في عدد متزايد من دول العالم. ولقد ارتفع عدد هذه الدول من أقل من 70 دولة منتصف الثمانينات إلى نحو 120 دولة في نهاية التسعينات، ورافق هذا التحول تطور مواز له على صعيد تطبيق مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكانت هذه التحولات حصيلة تطورات سياسية وفكرية واجتماعية كبرى في العالم. وعند الحديث عن هذه التطورات، فانه من المعتاد أن تتجه الأذهان إلى التحول في الدول الاشتراكية وفى بعض دول العالم الثالث نحو التعددية السياسية. إلا أن الأهم من ذلك من زاوية التطور البرلماني هو التطورات التي حدثت في دول ديمقراطية متقدمة (ألمانيا، إيطاليا، فرنسا، بريطانيا، أسبانيا، اليابان)، حيث اهتزت أحزاب حاكمة لسنوات طويلة منذ الحرب العالمية الثانية أمام تيارات سياسية واجتماعية جديدة، طرحت نظرة نقدية للحكومات القائمة وحلت محلها، لاسيما في سياق نقد العولمة ونقد السياسة الأمريكية والحكومات التي تمشت معها. وتعرضت هذه الحكومات التي اتسمت بسيطرة الأحزاب التقليدية إلى أزمات سياسية واجتماعية وأحيانا اقتصادية واسعة، وكان من مقدمات تلك الأزمات تراجع دور البرلمانات وضعف دورها في مراقبة أداء السلطة التنفيذية. وفى غياب تلك المراقبة النشيطة انتشرت ظاهرة الفساد بصورة ملفتة للنظر واشتد تأثيرها إلى حد أنها أصبحت حافزا رئيسيا لدى المواطنين لتغيير سلوكهم الانتخابي، وتبلورت مظاهر النقمة هذه عبر صناديق الاقتراع في انحياز غالبية المقترعين ضد الأحزاب المهيمنة، وبالتصويت إلى جانب الأحزاب التي تبنت إدخال إصلاحات واسعة، بما في ذلك العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وتتزايد اليوم عمليات المراجعة للأداء الفعلي لنظم الحكم الديمقراطية وتزامنت مع متغيرات مهمة طرأت على الحياة البرلمانية في الدول الديمقراطية أثرت سلبا على دورها الرقابي، وكذلك مع دخول نوعيات جديدة من السياسيين إلى البرلمان، يتميزون بالمعرفة والاطلاع الواسعين وبالحيوية[1].
  2. ثورة الاتصالات: حيث ساهمت الثورة التقنية في التسعينات في التأثير على العمل البرلماني في العالم وعلى الأداء الرقابي للبرلمان. وكان من أهم نتائج هذه الثورة توسع دور التلفزيون وكذلك الاتصالات الإلكترونية في الحياة العامة ودخولها عددا كبيرا من برلمانات العالم. واستأثرت جلسات المناقشة العامة، ومساءلة الحكومة باهتمام واسع بين المواطنين، وانصب اهتمام كبير على الفترات المخصصة في البرلمان لمساءلة رئيس الحكومة[2]. أيضا، سهلت ثورة الاتصالات على نحو غير مسبوق في التاريخ تنفيذ مشاريع للتواصل بين الأفراد والبرلمان، مثل الاقتراع الهاتفي  TELEVOTE في نيوزيلندا واليونان أيضا، مما يسمح للمواطنين والمواطنات بالحصول على معلومات حول القضايا العامة عبر أجهزة الهاتف العامة، كما يسمح لهم بالاتصال السريع بالنواب وبالاقتراع على بعض الاقتراحات التي تتقدم بها الحكومة وتقديم الشكاوى بصورة مباشرة إلى المسئولين. كما طبق في هولندا مشروع "الديمقراطية الهاتفية" TELEDEMOCRACY الذى يسمح للناخب بمناقشة بعض المشاريع التي تقترحها الحكومة وبتفويض أحزاب أو نواب محددين بالاقتراع نيابة عنه خلال المناقشات البرلمانية وعند التصويت على المقترحات. وفى بريطانيا، تنفذ الحكومة مشروع CITIZENS ONLINE DEMOCRACY ، وهو يتيح للمواطنين إيصال آراءهم إلى من يرغبون من أصحاب القرار، وتفعيل الحوار بين المواطنين أنفسهم حول قضايا الحكم والسياسة.

وبرغم ذلك، يخشى البعض من تأثير هذه الثورة الاتصالية على بنية الديمقراطية، وتدهور سمعة المجالس النيابية عندما يشاهد المواطنون النواب يتبادلون الاتهامات والمعارك بداخلها، وانتشار ثقافة شعوبية غير قابلة للضبط الاجتماعي، وشعور الرأي العام بأن النواب لا يمثلونه، وأن الفرد يجب أن يمثل نفسه من خلال استخدام هذه التقنيات الاتصالية الحديثة، مما يؤدى مباشرة إلى إضعاف البرلمانات، وإنهاء دورها في مجال مراقبة السلطة التنفيذية، وبالتالي إضعاف الديمقراطية.

وفى المقابل، يرى آخرون أن توسيع مشاركة المواطن في السياسة، عبر الثورة التقنية، يؤدى إلى تطوير الأداء البرلمانى نفسه، حيث لم يعد دور المواطن/الناخب يقتصر على التصويت كل أربعة أو خمسة سنوات ويترك شئون الحكم والسياسة إلى النواب والسياسيين، وإنما أصبح في مقدرته مراقبة أعمال السلطة التنفيذية بصورة مباشرة، وربما تتوفر لديه المعلومات التي تتوفر للنواب، مما يفرض على النواب أن يبذلوا جهداً أكبر في إقناع المواطنين بأهمية دورهم في ممارسة الرقابة بفعالية أكبر من داخل البرلمان.

بعبارة أخرى، فقد تأثر دور البرلمان بالتقدم الهائل في وسائل الاتصال الحديثة، وإدخالها إلى الحياة البرلمانية، وبالتالي الضغط من أجل شفافية أكبر في أعمال البرلمان، وزيادة اهتمام الرأي العام بما يجرى بداخله، فيما يمكن اعتباره "مراقبة على البرلمان في أداء دوره الرقابي على الحكومة". ولكن: هل سار التطور البرلماني في هذا الاتجاه؟

دور الحكومة في تفعيل الرقابة

إذا كانت الديمقراطية ثقافة قبل أن تكون مؤسسات وإجراءات فلن تكفى الأشكال المؤسسية والنظم والإجراءات القانونية لتنظيم الحياة السياسية بدون قناعة بقواعد اللعبة الديمقراطية ذاتها وقبول بمخرجاتها (مثل: الحلول الوسط، حل النزاعات بالطرق المدنية، تداول السلطة سلميا..)، وإلا كان لدينا ما يسمى "ديمقراطية بلا ديمقراطيين".

وما أحوجنا إلى استحضار هذا المعنى في نظرتنا للرقابة البرلمانية، إذ لا يكفى بحال من الأحوال لفعالية الرقابة البرلمانية أن ينص الدستور على صلاحيات رقابية للنواب على الحكومة دون أن يكون هؤلاء النواب راغبين في ممارستها، وقبل أن يكونوا قادرين على ممارستها، أو دون أن تكون الحكومة واعية بالدور الإيجابي للرقابة البرلمانية ذاتها. ولا أظن أن "سكوت" أغلب الدراسات حول الرقابة إنكار لهذا المعنى، وإنما هو أقرب لكونه تجنبا لمعالجته أو عجزا عن دراسته بالدقة اللازمة ربما بسبب غياب البيانات الصحيحة والمعلومات الكافية.

واستعداد الحكومة للرقابة يتضمن أن تكون مستعدة لسماع النقد ودراسته والتعامل معه موضوعيا، كما يتضمن الرغبة في تلقى النصيحة أو الرأي أو النقد دون اعتباره مساساً بالهيبة أو الكرامة، لأن النقد هنا يكون من مؤسسة إلى مؤسسة أو من سلطة إلى سلطة أخرى، وليس بين أفراد. فإذا نظرنا مثلاً إلى محاسبة أحد الوزراء فإنه يحاسب بصفته وليس بشخصه، فإذا تغير الوزير فإن ذلك لا يحول دون محاسبة الوزير السابق (عما قام به من أعمال خلال توليه وزارته) أو محاسبة الوزير الجديد (عن أعمال الوزارة).

صحيح أن العمل السياسي وما يتسم به من تنافس وصراعات لا يتم في المدينة الفاضلة، ولا يتوقع من سيأسى مخضرم أن يبرز عيوبه ويعترف بأخطائه طواعية أو بسهولة، خاصة وأن الإعلام يلعب دوراً حاسماً في تأجيج هذا الصراع السياسي وتلك المنافسة، إلا أن كل هذا لا يفتأت على احترام الحد الأدنى من قواعد اللعبة الديمقراطية حتى تنجح، مثل احترام رأى الأقلية وحمايتها من هيمنة الأغلبية، واحترام سيادة القانون وأحكام القضاء، واحترام الحق في الحصول على المعلومات، واحترام سلطة البرلمان في الرقابة على أعمال الحكومة. فلا يسهل أن نتصور -مثلاً- أن حزب الأغلبية يتشدد في رقابة الحكومة مثلما تفعل أحزاب المعارضة، ولكن يجب أن نتمسك بحق المعارضة في الرقابة، دون إجهاضها والالتفاف عليها بالقفز إلى مرحلة التصويت، واعتماداً على أغلبية تحمى الحكومة من رقابة المعارضة.

كيف نقيس فعالية الرقابة؟

تساعد عملية القياس على طرح مجموعة تساؤلات متعمقة في الرقابة، سواء بشأن الإطار السياسي (الدستوري والقانوني والحزبي..) وتأثيره على الأداء الرقابي للأعضاء (أي ما هي الحدود التي "يسمح" بها النظام السياسي)، أو من زاوية قدرة الأعضاء على استخدام الوسائل الرقابية المقررة لهم.

والهدف من القياس ليس مجرد إصدار "حكم" على أداء عضو أو مجلس معين، وإنما هو عملية دينامية تستهدف وضع أساليب موضوعية لتقويم الأداء، ووسائل منضبطة وقابلة للتطبيق، أي مقياس. وبالطبع، سوف يقود التقويم إلى إصدار أحكام (بالمعنى السياسي)، ولكن استخدام وسائل منظمة وشفافة للتقويم هي التي تنقلنا من مرحلة الانطباعات الذاتية (impression) إلى التحليل الموضوعي (assessment). كما يساعد القياس على تحويل موضوع فعالية الرقابة من إطار نظري إلى واقع عملي وقياسات كمية أيضا، مثلا، من خلال تحليل الأساس المعلوماتي للممارسة الرقابية.

ولا توجد وسائل ثابتة لقياس فعالية الرقابة البرلمانية، وإنما هي وسائل نسبية، وذلك من ناحيتين: الأولى، أن مرجعية الأداء البرلماني وبالتالي مقاييس فعاليته ترتبط بالإطار الوطنى (دستوريا، وسياسيا، وثقافيا..) للعمل الرقابي، والثانية، أن تطوير "أدوات جيدة" للقياس قد لا يؤدي تلقائيا إلى "قياس جيد"، وذلك لظروف عملية، أشهرها عدم توفر المعلومات حول الأداء الرقابي أصلا.

ومن المؤشرات المحتملة لقياس الأداء الرقابي ما يلى:

  • تأثير الرقابة على رد فعل الحكومة، فكلما زاد التأثير زادت معه الفعالية "المحتملة" للرقابة البرلمانية..، لأن الرقابة هي علاقة تأثير متبادل.
  • درجة المعلوماتية والفعالية: فكلما استند العضو على وثائق أو مصادر معلومات وتحليل ذات ثقل في بيئته السياسية زاد احتمال قيامه برقابة فعالة. ويجب النظر إلى هذه المعلومات من عدة زوايا من بينها:
  • من حيث نوع المعلومة، كأن تكون المعلومة كمية على هيئة أرقام Figures، أو نسبة، أو نتائج إحصائية، فالعضو الذى يقدم بيانات وإن كانت كيفية تختلف نوعية أدائه عن غيره الذى لا يقدم شيئا من هذا وإنما يستخدم تعبيرات مرسلة.
  • من حيث المصدر، سواء كان هذا المصدر وثائق رسمية من الدستور أو أحد القوانين أو تقارير الوزارات، أو بيانات مركز معلومات مجلس الوزراء، أو وثائق علمية صادرة عن أحد مراكز البحوث، أو أحد الرسائل والدراسات العلمية، أو أن تكون مأخوذة من أحد الصحف سواء كانت قومية، أو معارضة، أو مستقلة، أو أجنبية. أو من أحد المصادر الإلكترونية مثل الإنترنت.
  • كما يجب النظر إلى مجال المعلومات المستخدمة، وما إذا كانت سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية..
  • الإطار المؤسسي للعمل الرقابي ومستوى فعالية الأداء الرقابي: فكلما سمح المجلس، مثلا، بوقت كاف للعضو كلما مكّنه من أعمال الرقابة.
  • القدرات النوعية للعضو: فكلما كانت ممارسته للرقابية تتضمن حلولا وأفكارا واقتراحات كلما زادت فعاليتها. فالوسيلة الرقابية التي تتضمن حلولا وبدائل تكون أقوى من تلك التي لا تتضمن أي حلول أو مقترحات عملية، وكلما كانت الحلول ممكنة وقابلة للتطبيق كلما كان أثرها أقوى والعكس. وكلما كان النائب في دوره الرقابي مسلحا بالمعلومات كان أداؤه أفضل.
  • مدى التزام البرلمان بالإطار القانوني للعمل البرلماني الذى يمارس العضو الرقابة من خلاله. فعلى سبيل المثال، إذا أخطأ رئيس الجلسة وسمح بمقاطعة المستجوب فهو إساءة استخدام للائحة ربما يؤثر سلبيا على فعالية الاستجواب ليس بسبب تواضع أداء العضو وإنما بسبب إدارة الجلسة.
  • الانتماء الحزبي: فهل توجد علاقة بين الانتماء الحزبي للعضو وممارسته للرقابة؟، بمعنى، مثلا، أنه في حالة وجود أغلبية كبيرة ومعارضة صغيرة فإن انتماء العضو إلى أغلبية كبيرة ربما يساعده على رقابة أكثر فعالية. كما أن الانتماء الحزبي والفكري والأيدولوجي قد يؤثر على دور العضو الرقابي من حيث الموضوع والمعلومات وطريقة العرض.
  • شكل الجلسة: فعلى سبيل المثال، كلما كان معدل حضور الأعضاء وانتباههم للموضوع محل الرقابة أعلى كلما وفّر بيئة داعمة لأداء العضو الرقابي.

قيود وفرص الرقابة البرلمانية

تتعدد القيود والمعوقات المحيطة بالأداء البرلماني لمجلس الشعب، وترتبط تلك القيود بنوعين من الأمور: القيود المتعلقة بالأداء التشريعي والقيود المرتبطة بالأداء الرقابي. وفى نفس الوقت، هناك فرص لتفعيل الدور الرقابي للبرلمان، من خلال تطوير نظام عمل المجلس ذاته، وأيضا من خلال تعزيز قدرات الأعضاء على ممارسة الدور الرقابة بكفاءة أكبر.

فهناك علاقة بين فاعلية الدور الرقابي للمجلس من ناحية وطبيعة المناخ الثقافي والسياسي السائد ومستوى التعددية الحزبية بالبرلمان ونوعية العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية من ناحية أخرى.

وهناك فارق بين الرقابة البرلمانية "البعدية" وتلك "القبلية"، بمعنى أن ما يتم من رقابة هو رقابة بعد حدوث الحدث محل الرقابة، وهذا الأمر يمكن تواجده من خلال وسائل الرقابة البرلمانية في كافة برلمانات العالم تقريباً بلا استثناء، أما الرقابة القبلية -أي الرقابة قبل الحدث- فلا وجود لها في غالبية التجارب الرقابية البرلمانية المحيطة.

 

إن تطوير أداء البرلمان في حقل مراقبة السلطة التنفيذية يحتاج إلى جهود تتم بالتوازي على النطاقين المؤسسي الداخلي، أي داخل البرلمان، والمجتمعي العام، أي في مجال الأوضاع السياسية والاقتصادية العامة. ومن أهم الخطوات في ذلك في المجال المؤسسي:

  • تحديث الإطار القانوني للعلاقة بين البرلمان والحكومة، ومراجعة أهداف العمل الرقابي، وتحرير إجراءاته وشروطه في ظل الوضع الحزبي السائد، مثل التخفيف من القيود التي تضعها اللائحة على بعض أشكال الرقابة البرلمانية التي تتضمن أثرا عقابيا، مثل الاستجواب أو طرح الثقة.
  • تزويد النواب بالمساعدين من الباحثين والمتخصصين، وكذلك الإداريين، لإمداد النائب بالدراسات والمعلومات الضرورية لكى يضطلع بعمله الرقابي، وتوفير حيز أكبر من الوقت والجهد من أجل جمع وتحليل البيانات المعلومات والتعرف على الدراسات والبحوث التي توضع تحت تصرفه لكى يتابع عمله الرقابي. واذا كانت الإمكانات المادية لا تسمح للمجالس بتخصيص مساعد لكل نائب، فإنه يمكن كإجراء موقت، إعادة توزيع بعض العاملين بالأمانة العامة، وهم عدة آلاف، ليكونوا مساعدين برلمانيين للأعضاء.
  • تطوير عمل اللجان البرلمانية، نظرا إلى أهمية دورها في مجال المراقبة، وذلك عن طريق ضمان استمرارية النواب فيها حتى تنمو خبراتهم في حقل اختصاصها، وتخفيض عددهم من أجل توفير إمكانات افضل للمناقشة الجادة في الموضوعات التي يبحثونها.
  • تزويد المجلس بالموارد العلمية والبحثية والمقتنيات والتقنيات الحديثة لمساعدة النواب في الحصول على المعلومات الضرورية لعملهم في حقل الرقابية البرلمانية.
  • تنمية اهتمام المواطن بالحياة البرلمانية وثقته بالعمل البرلماني وبالانتخابات عموما، وذلك بوسائل الحملات الإعلامية وأنشطة التوعية المدنية والانتخابية، وآليات التواصل بين المواطن والبرلمان، بأشكالها المتنوعة (زيارات، إصدارات، لقاءات..)، وتشجيع الجمعيات الأهلية ومختلف أشكال المنظمات غير الحكومية، وخاصة هيئات المصالح الاقتصادية والاتحادات النقابية والجمعيات الممثلة للمستهلكين، والنوادي الثقافية والفكرية على القيام بمساهمات أكبر في مراقبة الأداء الحكومي ومراقبة أداء البرلمانيين أيضا، من حيث مدى اضطلاعهم بمهام مراقبة السلطة التنفيذية.

 

 

 

المحور الثاني:

الدعم الفني لتعزيز الدور الرقابي للأعضاء

 

أهمية الدعم الفني للبرلمانيين

بالرغم من أن التطوير المؤسسي يعتبر شرطا مهما لكفاءة الأداء البرلماني، إلا أنه لا يعد شرطا كافيا لتحقيق ذلك، إذ تتأثر مخرجات المؤسسة البرلمانية (نوعية التشريعات، جودة الأداء الرقابي، فعالية الطابع التمثيلي للناخبين) بعوامل أخرى منها ما هو ذاتي يرتبط على سبيل المثال بخلفية الأعضاء وقدرتهم على صنع السياسات العامة، ومنها ما هو سيأسى كدور البرلمان في نظام الحكم، وتركيبه الحزبي، ومنها ما هو مجتمعي يرتبط بطبيعة الثقافة السياسية لدى الجمهور والناخبين والنخبة.

ولأنه من الصعوبة التحكم بكل ما هو مجتمعي، حيث أن تغيير الثقافة المجتمعية يستغرق حدوثه مدى زمنى طويل، كما أن التحكم بالعوامل السياسية لا يعد هو الأخر بالأمر اليسير خاصة أنه يرتبط في جانب كبير منه بالجانب المجتمعي. وبالمقارنة نجد أن العوامل الذاتية هي الأكثر قابلية للتحكم، فتطوير قدرة عضو البرلمان على أداء ما هو محدد له من اختصاصات داخل المؤسسة التشريعية قد لا يتطلب بالضرورة فترة زمنية طويلة، فالمشكلة الرئيسية هنا تتبلور في عنصرين أولهما، تحديد الآليات المطلوبة والبرامج المختلفة التي تلائم احتياجات مختلف الأعضاء. وثانيهما، العنصر المادي، بمعنى توفير الموارد المالية اللازمة لتمويل الأنشطة الموجهة لدعم أعضاء البرلمان. وهكذا يمكن أن يلعب دعم أداء عضو البرلمان دورا في دعم مدخل التطوير المؤسسي للبرلمان.

وليس الدعم الفني للبرلمان وللبرلمانيين أمرا جديدا تماما، وإنما الجديد فيه هو ذلك التطور وتلك القفزات النوعية التي يعرفها العالم المعاصر في خبرات وصور وأدوات الدعم الفني كمدخل لتعزيز عمل البرلمان.

وربما لا يخلو برلمان من تجارب وأنواع للدعم الفني، وإن تنوع الهدف والشكل والدور من دولة إلى أخرى. وتبدو أهمية الدعم الفني بالنسبة للمؤسسة البرلمانية بالنظر إلى طبيعة العمل البرلماني ذاته وقضاياه المتجددة، وكذلك لأن البرلمان مؤسسة مركبة Complex وهو أيضا مؤسسة سياسية.

فعلى ضوء تنوع واختلاف المصالح التي يمثلها البرلمان/النواب، تميل المؤسسة التشريعية إلى الأخذ بمنهجية التوافق والحلول الوسط في تعاطيها مع تلك المصالح، الأمر الذى يستوجب أن ينفتح البرلمان على وجهات نظر وآراء متنوعة تعبر عن تلك المصالح. ثم يأتي دور البرلمان بمثابة "بوتقة" تمتزج فيها تلك الآراء، تمهيدا إلى تبلور موقف ما للأغلبية البرلمانية، ومن ثمّ يصدر القرار.

وخلال بحث البرلمان لهذه الآراء فإنه يتعاطى مع حجج وتحليلات متنوعة للموضوع، وكلما كانت أمام النواب فرصة أكبر للتعرف على هذه التحليلات المتنوعة اتسعت الخيارات أمامهم، وهذا هو مبتغى الدعم الفني، ذلك أن مفهوم الدعم الفني للبرلمان يدور حول أمرين، الأول هو "تلبية الحاجة" المعرفية للنواب، والثاني هو "خلق الحاجة" للمعرفة للنواب بشأن موضوع ما.

وفى كلتا الحالتين فإن جوهر الدعم الفني هو الخدمات المعرفية المتخصصة في العمل البرلماني، التي توسع الخيارات والبدائل المتاحة أمام البرلمان. أما الأنشطة التي تستهدف التأثير على توجهات النواب عند الاختيار بين البدائل المتاحة فتدخل في نطاق "الضغط" أو حتى جماعات المصالح أو اللوبيهات (في الخبرة الأمريكية). وتوضح التجارب المعاصرة في الدعم الفني للبرلمان أن الجانب الثاني لهذا الدعم الفني، أي "خلق الحاجة المعرفية" ينمو بشكل سريع ربما "أكثر من اللازم"، حتى أصبح من المألوف التحذير من "تغوَل" الفنيين (والتكنوقراط) على البرلمان.

ومع ذلك، فإن الجانب الأول للدعم الفني -أي "تلبية الحاجة" المعرفية للنواب- يتعرض هو الآخر إلى ضغوطات، مصدرها الأكبر هو البرلمان ذاته، حين يميل الخبراء إلى الاندماج في المؤسسة البرلمانية "أكثر من اللازم" وكأنهم جزء منها، وربما يفقدون حينئذ أهم صفة جوهرية في الدعم الفني، وهى الاستقلالية، وتقديم المعرفة الفنية بمعايير احترافية.

ولا يعنى هذا أن الدعم الفني الحزبي أو الموجه سياسيا policy-oriented ليس أخلاقياً، أو حتى ليس مستقلاً، بل على العكس تماماً حيث تفوقت بيوت الخبرة "الحزبية" على الأمانة العامة من حيث المبادرة والقدرة التنافسية، لاسيما في الدخول التي لا يزال البرلمان فيها منغلقا على نفسه تقريبا. بهذا المعنى، فإن من مصلحة الأمانة العامة/الجهاز الفني للبرلمان ككل التعاون والتفاعل والتنافس الإيجابي مع بيوت الخبرة البرلمانية للأحزاب وجماعات المصالح والمجتمع المدني، لأن كل ذلك يصعد من دوران المعرفة، والشفافية.

وسواء  كان موقع الدعم الفني استباقياً  Pro-active أو استجابياً  Responsive، فإنه يتطور في أشكاله ومستواه النوعي مع تطور الحياة البرلمانية، وكلما ترسخ لدى المؤسسة البرلمانية ولدى النواب أنه إذا كانت آلية البحث والتفكير في بدائل بشأن الموضوع المطروح هي النقاش deliberation فإن النقاش "الجيد" هو الذى يستند إلى معرفة يقدمها أهل الرأي في الموضوع ليصبح بحثهم مدروسا well-informed debate، مما يعزز قدرة النواب على الاختيار بين بدائل أكبر وأحدث، أي باختصار "تمكين البرلمان" لأداء دوره السياسي في المجتمع، من خلال تعزيز قدراته الفنية على البحث واتخاذ القرار.

هل كل مراحل العمل البرلماني تحتاج إلى دعم فنى؟

يمكن النظر إلى أعمال البرلمان باعتبارها منظومة تتكون من ثلاث حلقات، أولها "المدخلات" (أي الأمور التي تأتى إلى البرلمان)، وثالثها "المخرجات" (أي المواقف والقرارات التي يتخذها البرلمان)، وبينهما الحلقة الثانية وهى آلية تحويل المدخلات إلى مخرجات، أي المناقشات البرلمانية* Debates، وهى أخص الخصائص التي تميز عمل المؤسسة البرلمانية، على الأقل بالمقارنة مع أسلوب عمل واتخاذ القرار في الحكومة أو السلطة القضائية.

إذن، هناك آلية مستقرة في إنتاج أعمال البرلمان (parliamentary workings)، وهذه الآلية عبارة عن مناقشات، أي  تستند -بحكم تعريفها- إلى المعارف والمعلومات اللازمة لتحليل الأمور والاختيار بين البدائل المتاحة بشأنها، سواء كان المستوى أو الإطار التنظيمي الذى تجرى فيه تلك المناقشات هو اللجان (بأنواعها) أو الجلسات العامة.

ومن ناحية أخرى، فإن شرعية هذه الآلية لا تتوقف فقط على نوعية الصلاحيات التي يتمتع بها البرلمان، لأن تلك مسألة تدور حول طبيعة الحكم والنظام السياسي التي تقرر حدودا معينة لسلطة البرلمان، إلا أنه في كل الأحوال فإن أعراف العمل البرلماني تدور في فلك هذه الآلية، أي المناقشات، بغض النظر إذا ما كانت نتيجة تلك المناقشات قرارات ملزمة للحكومة والكافة أم كان دور البرلمان استشاري فقط.

 

والسؤال الذى يطرح نفسه: هل يحتاج العضو إلى خدمات معلوماتية ودعما فنيا في كل هذه المراحل أم في بعضها فقط؟

يمكن القول أن الدعم الفني يجب أن يكون متوافرا في كل هذه المراحل، لأنها لا تعبر عن جزر منفصلة بل هي مراحل متداخلة ومتشابكة يؤثر كل منها على الآخر.

فبالنسبة للمدخلات، نجد أنها إما أن تأتى من الحكومة (مشروع قانون مثلا)، أو من العضو ذاته (اقتراح بمشروع قانون، أو ممارسة أداة رقابية..)، أو من الجماهير (اقتراحات وشكاوى، مصالح ومطالب..). وفى كل الحالات، فإن العضو في حاجة إلى خبرات داعمة لكى يدرس ما يعرض عليه، مثل بيان/برنامج الحكومة، تحليل الخطة والموازنة، دراسة مشروعات ومقترحات القوانين، ومتابعة خطط الدولة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما أن العضو في حاجة أكبر إلى هذه الخدمات لإعداد مقترحات القوانين وبلورة أهدافه في إطارها البرلماني. كذلك، فإن العضو يحتاج إلى الدعم الفني لكى يتعرف على مطالب ومصالح المواطنين ليعبر عنها (مثلا، استطلاعات الرأي العام، المسوح الاجتماعية..). بالإضافة إلى كل هذا، هناك مدخلات فرعية تؤثر على البرلمان تتمثل فيما ينقله الإعلام "كوسيط" بين الرأي العام والمؤسسات الرسمية، وربما يحتاج العضو إلى دعم فنى هام (مثلا: تحليل مضمون الصحف، البحث في شبكات المعلومات، تحليل الأحداث الإقليمية والدولية..).

وبعد دخول هذه القضايا إلى البرلمان وإدراجها على جدول أعماله، تبدأ المرحلة الوسيطة في العمل البرلماني، أي "المناقشات"، وهى المرحلة الأكثر أهمية في عمل البرلمان لأنها تجسد مفهوم التأصيل.

ويحتاج العضو إلى تدريب وخبرات معاونة في بلورة المعلومات إلى مناقشات ذات جدوى وتضيف إلى خبرة البرلمان بشأن الموضوع المطروح، وكذلك إلى المهارة في استخدام الوقت المحدد له، لأن جلسات البرلمان بطبيعتها موقوتة بمدة زمنية محددة، ووقت المناقشات دائما محدود -مهما طال- إما بسبب كثرة عدد الأعضاء طالبي الكلام، أو بالنظر إلى تكدس الموضوعات التي يناقشها. لذا، فإن العضو مطالب دائما في المناقشات أن يركز على مسألتين: أولهما، التعرف على الجوانب المهمة في الموضوع المعروض أصلا وأن يدرسه جيدا إذا كان هو الذى تقدم به، وثانيهما، أن يقارن بين وجهات النظر المطروحة فيها مع ضرورة حساب الموقف المحتمل للرأي العام ودراسة الآثار العملية عند تطبيق وجهات النظر (If-then scenarios) بما فيها قابليتها للتنفيذ وتكلفتها وعائدها المتوقع..، وكذلك جوانبها السياسية، وعلى ضوء ذلك يبلور موقفه، ويحدد أسلوب عرضه وطريقة الكلام فيه، أملا في حشد تأييد النواب لوجهة نظره.

أما الطرف الثالث في هذه المعادلة البرلمانية فهو "المخرجات"، أي كل ما يصدر عن البرلمان من قرارات ومواقف (قوانين، توصيات، قرارات..)، وهنا أيضا تظهر أهمية الدعم الفني (مثلا: صياغة التشريعات). إلا أن المقصود بهذا الدعم ليس مجرد مراعاة الصياغة القانونية للتشريعات أو حتى معاونة العضو في تحديد موقف واضح ومستنير بشأن ما يناقشه البرلمان، وإنما يمتد أيضا إلى معاونة العضو في متابعة أداء السلطة التنفيذية، وخصوصا من حيث مدى التزام الحكومة بما أقره البرلمان، وهى مهمة كبيرة في ذاتها.

مقترحات للدعم الفني

إن احتياجات الدعم الفني للبرلمانيين العرب تشمل أنشطة متنوعة لتعزيز القدرات التمثيلية والتشريعية والرقابية للبرلمان. ومن أهم هذه المقترحات:

- الاحتكاك المستمر بتجارب ونماذج برلمانية أخرى، لاسيما في المنطقة العربية، والتواصل مع بيوت الخبرة المحلية والخارجية.

- دعم القدرة التشريعية للأعضاء، حيث لا تزال المبادرة التشريعية لأعضاء البرلمانات عموما محدودة، إذ تأتى معظم مشروعات القوانين من السلطة التنفيذية.

- صياغة برامج حوارية على هيئة حلقات نقاش للأعضاء، وبخاصة الجدد منهم، يقوم البرلمان بالإشراف عليها وتنفيذها. ومن المتصور أن تكون هذه البرامج نوعين، أولهما يركز على الإجراءات ونظم المجلس وتقاليد العمل البرلماني (مثلا: واجبات وحقوق العضو، كيفية وضع جدول أعمال المجلس ولجانه وإدراج الموضوعات المختلفة في جدول الأعمال، فضلا عن تركيب المجلس وأجهزته الداخلية، ومعرفة الملامح العامة للمؤسسات والاتحادات البرلمانية المختلفة، وقواعد ممارسة الرقابة البرلمانية واقتراح القوانين..)، أما النوع الثاني فيكون ذا طبيعة مضمونية، يتطرق إلى القضايا الفنية والمتخصصة التي تعرض على المجلس ولجانه، مثل قضايا التنمية والتكتلات الاقتصادية المعاصرة، وقضايا القانون والمنظمات والاتفاقيات الدولية، وقواعد إعداد الموازنة والحسابات الختامية للجهاز الحكومي، وشئون الأمن والاستراتيجية والسياسة الخارجية، وغيرها من القضايا المتخصصة التي تعرض على المجلس باستمرار، وتحتاج إلى دراية كبيرة بمضامينها وأبعادها ومناقشات مع المتخصصين، بالإضافة إلى من تستدعيهم لجان المجلس من خبراء ومسئولين في الحكومة، حتى لا نترك مناقشة هذه الأمور للميول الذاتية المسبقة أو المعلومات اللحظية المتوافرة أمام العضو بأي طريق كان، وحتى يتمكن المجلس من إجراء نقاش بناء لهذه الأمور قبل اتخاذ قرار فيها.

- إعداد كتيبات ودلائل صغيرة وواضحة للممارسة البرلمانية (مثلا: كيف تعد اقتراحا بمشروع قانون، كيفية تقديم الاستجواب، أسس مناقشة الخطة والموازنة، وغيرها)، لكى تكون دليلا عمليا لممارسة الحقوق والواجبات البرلمانية، يتجه إليه العضو بسهولة ويسر ليجد إجابة واضحة على ما يعن له من أمور إجرائية، دون تجشم عناء البحث والتدقيق في التفاصيل القانونية والفقهية واللائحية. فالنظام الداخلي للبرلمان قد يتسم بصعوبة كبيرة في التعامل معها، حيث أنه يتسم بالطابع الفني وربما بالتعقيد الذى يجعل من فهمها والتعامل معها أمر يصعب على الكثيرين، وهو أمر يتناقض مع الوظيفة المفترضة للائحة ودورها في "التيسير على العضو وتمكينه من ممارسة مهامه"، فلا يصبح أمامه سوى أحد طريقين إما الاكتفاء بالحد الأدنى من دراسة واستيعاب اللائحة للوفاء بالمتطلبات الشكلية للعضوية (مثل نظام الحضور، وطريقة التصويت..)، أو بذل جهد كبير في التكيف مع التعقيدات اللائحية، مستخدما في ذلك قدرات خاصة (مهنية أو ذاتية أو حزبية)، وهى مسألة لا تتوافر للكافة.

- قيام الأمانة الفنية للبرلمان -تحت إشراف هيئة مكتب البرلمان- بعملية رصد ومتابعة لاحتياجات الأعضاء، وبخاصة الجدد منهم، بطريقة علمية ومنتظمة، وذلك حتى يمكن التعرف على الموضوعات أو المسائل التي قد تتطلب عقد حلقات عمل أو ندوات خلال دور الانعقاد أو الفصل التشريعي ككل. فغياب هذه الآلية للتعرف على احتياجات الأعضاء من الخبرات المتخصصة والخدمات الفنية يجعلنا أمام بديلين كلاهما مرّ، الأول هو الحفاظ على الوضع الراهن للمؤسسة البرلمانية، التي أصبح تطوير أدائها مطلبا مهما واستراتيجيا، والثاني هو فقدان التناغم بين ما يحدث وما يجب أن يحدث في مجال الخدمات الفنية للأعضاء، أي القيام بأنشطة قد لا تكون هي المرغوبة والمطلوبة لأعضاء البرلمان في المرحلة الراهنة وفى ضوء المعطيات السابقة، حتى وإن اشترك البعض فيها لسبب أو لآخر (مثل تعلم الحاسب الآلي، أو استخدام الإنترنت).

 - التدريب البرلماني كمدخل مهم لرفع مستوى الأداء وتعزيز القدرات والمهارات لدى العاملين بالجهاز الفني المعاون للأعضاء.

- تحديث نظم المعلومات البرلمانية هو إحدى الأدوات المهمة لتطوير العمل البرلماني والدعم الفني غير المباشر الذى يمكن تقديمه لعضو البرلمان. فالمعلومات والبحوث تعتبر بلا شك من أهم أدوات التطوير وزيادة القدرة المؤسسية للبرلمان. فالبرلمان يحتاج، أكثر من غيره من المؤسسات السياسية، إلى إدارات حديثة ومتخصصين مدربين في ترتيب وتنظيم وتحليل المعلومات لتقديمها في الوقت المناسب وبالشكل الملائم للأعضاء لممارسة مهامهم البرلمانية المتنوعة. ويمكن القول بأن البرلمانات العربية في مجملها تحتاج إلى "ثورة معلوماتية" بها، لا تبدأ من اقتناء الحواسب الآلية ورصّها، ولا تقف عند تلك المرحلة، وإنما تسعى إلى توظيف واستخدام تكنولوجيا حديثة في مجال المعلومات البرلمانية، وامتلاك قدرات فنية وحدات لتخزين المعلومات واسترجاعها، وكذلك تطوير نظم لإدارة المعلومات وإتاحتها إلى النواب (والمجتمع) في الوقت المناسب والكفاءة العالية. فمع انتشار الثورة العلمية واستخدامات الحواسب الآلية في العالم، تفتحت أمام خدمات البحوث المعلومات البرلمانية آفاق جديدة، تتيح فرصا جديدة للابتكار وتطوير الأداء كما تفرض أعباء إضافية على أطراف الخدمة ذاتها (النواب والباحثين). فاستخدام هذه التقنيات الحديثة في العمل البرلماني يتطلب تفهما لإمكانياتها واستخداماتها من جانب الأعضاء، كما يتطلب تدريبا مستمرا على تعظيم الفائدة منها من جانب الباحثين البرلمانيين، بل والجهاز الإداري والفني للبرلمان ككل. ويلاحظ أن أبرز استخدامات الحواسب الآلية في خدمات البحوث والمعلومات البرلمانية في العالم المعاصر تتمثل في ثلاثة مجالات، أولها التحليل الاقتصادي والمالي، وثانيها قواعد البيانات التشريعية، وثالثها أساليب المحاكاة (Simulation) في المناقشات البرلمانية عموما وأعمال اللجان على وجه الخصوص.

  • عقد اجتماعات موسعة وتوجيهية (Steering) بين الأعضاء (وخصوصا اللجنة المعنية بشئون المجلس) وقيادات اللجان والوحدات والدوائر المختلفة بالمجلس لتبادل الآراء حول نوعية الخدمات المقدمة وأوجه النقد المحتملة لها ومجالات التطوير المقترحة فيها، والإمكانيات المادية والبشرية والمؤسسية المطلوبة لها.

 

 

المحور الثالث:

تكامل الأدوار التشريعية والرقابية للبرلمان

 

البرلمان أقدر مؤسسة ديمقراطية على ممارسة الرقابة

صحيح أن الرقابة على أعمال الحكومة ليست قاصرة على البرلمان ونوابه، وإنما تشارك فيها وتمارسها مؤسسات وأطراف اجتماعية أخرى مثل الرأي العام (مثلا من خلال الصحف ووسائل الاتصال) والمجتمع المدني والأحزاب السياسية وقوى السوق الاقتصادية، إلا أن البرلمان، بحكم تعريفه، هو الأقدر على ممارسة الوظيفة الرقابية. ويمكن أن نشير إلى سببين لهذا الطرح:

أولهما، أن البرلمان هو الجهة التي لها "سلطة" رقابية، وليست فقط تمارس وظيفة رقابية، فقد خوّل الدستور البرلمان في المقام الأول هذه السلطة وجعله أمينا على ممارستها، في حين أنه أشار أو لم يمنع الأطراف الأخرى من ممارستها إذا أرادوا. فليس هناك ما يلزم النقابات مثلا برقابة الحكومة في سياساتها وتنفيذها لهذه السياسات وإنما قد تفعل ذلك لحماية مصالح المهنة التي تمثلها أولا وحماية المصالح العامة للمجتمع ثانيا، بينما يعد تقاعس النواب عن القيام بالمهام الرقابية تقصيرا دستوريا، وإخلالا بالعقد الذى عقدوه مع الناخبين لتمثيلهم ورعاية مصالحهم.

 

ثانيا، أن البرلمان هو الجهة الوحيدة التي تستطيع (ويجب أن) تمارس مختلف أنواع الرقابة وأشكالها. فإذا تصورنا أن رقابة الإعلام على الحكومة قد تتركز على جوانب النزاهة ومحاربة الفساد أو طريقة تنفيذ السياسات العامة وتقديم الخدمات للمواطنين وأنها تستخدم شكل الضغط لتفعيل رقابتها على الحكومة، فإن البرلمان يستطيع أن يمارس الرقابة على صنع السياسات العامة وتوجهاتها الأساسية وطرق تنفيذها وتقييم أدائها، ويستطيع استخدام أشكال الضغط بالإضافة إلى عوامل أخرى  بداية من أشكال المحاسبة التي قد تصل إلى التهديد بسحب الثقة من الحكومة. بعبارة أخرى، فإن للبرلمان إمكانيات رقابية أوسع وأشمل (دستوريا وسياسيا) على الحكومة من سائر الأطراف والقوى الاجتماعية والأفراد.

 

الرقابة المالية

السياسات المالية هي ترجمة للدور المالي الذي تقوم به الحكومة في الاقتصاد القومي. وهذا الدور المالي للحكومة يتم من خلال الموازنة العامة للدولة. أي أن الموازنة العامة هي الأداة التي تستخدمها الحكومة للقيام بدورها وتنفيذ السياسات المالية للدولة. ومن خلال الموازنة العامة تقوم الحكومة بالإنفاق على خدمات التعليم والصحة وشق الترع وبناء الجسور ورصف الطرق وتوفير خدمات الدفاع والأمن والعدالة وإعادة توزيع الدخل وتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع من خلال الإنفاق على برامج الدعم والضمان الاجتماعي وغير ذلك.

وتحصل الحكومة على موارد تمويل الموازنة العامة بصورة أساسية من الضرائب والرسوم التي تستقطعها من دخول المواطنين والشركات القائمة في المجتمع.

وبالتالي فرقابة البرلمان على السياسات المالية تتم من خلال القيام بفحص ومراجعة إنفاق الموازنة العامة ومواردها.

وهذه الرقابة المالية للبرلمان هو أقدم الاختصاصات البرلمانية، بل تكاد تكون أنها سبب وجودها ونشأتها، كما كان في بريطانيا، حيث يعود تاريخ الموافقة البرلمانية اللازمة لفرض الضرائب والإنفاق إلى أكثر من 800 عاما، فهذه الموافقة تُعزى إلى مجلس العموم البريطاني، باعتباره ”أم البرلمانات“. فكلما كان الملك بحاجة إلى الأموال لإدارة الحروب وتصريف شؤون الحكم الملكي، كانت المجتمعات المحلية، الممثَّلة في مجلس العموم، تُدعى لتوفير تلك الأموال. ومع مرور الزمن، قدّم الملك طلبات دورية للحصول على الأموال، ولم يكن إلا الممثلون المحليون قادرين على منح الملك الأموال التي طلبها.

لقد كان هذا التطور الذى يقضي بأن يقوم الملك بالطلب من الممثِّلين المحليين جمع الضرائب من أجل تغطية نفقاته بمثابة تقييد مهم يُفرض على الامتيازات الملكية. وبحلول عام 1422، لم يكن بالإمكان وجود نظام أساسي ولا ضرائب من دون توافر السلطة البرلمانية، ومن دون موافقة أعضاء مجلس العموم داخل البرلمان.

كما أن صلاحيات البرلمان المالية وسلطاته في إقرار الموازنة العامة يحظى بمكانة مرموقة في الدول الديمقراطية، حيث أصبح الدور الذى تلعبه الموازنة متناميا، ولم تعد الموازنة مجرد تمويل للوظائف التقليدية للدولة وتيسير مرافقها، ولكن أصبحت هي الأداة التي تترجم عمليا توجهات الحكومة وتحدد أولوياتها في مختلف المجالات والأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما أن أهميتها للبرلمانات تتعاظم، حيث أنها الترجمة الحقيقية لبرنامج الحكومة الذى تقدمه إلى البرلمان في بداية أدوار الانعقاد.

واليوم، لاشك أن موقع البرلمان على خريطة السياسة والحكم عموما، وصلاحياته في اتخاذ القرار وصنع السياسات العامة كلها عناصر تشكل الأرضية التي يستند إليها الدور المالي للبرلمان، ويتأثر بها. فالسؤال الاستراتيجي الذى يجدر طرحه هو: ما دور البرلمان في إعداد الموازنة والرقابة على إدارتها؟

وفى الحقيقة، فالدور المالي للبرلمان ينصرف إلى ثلاثة أمور، أحدها هو مناقشة وإقرار مشروع الموازنة العامة للدولة، والأمران الآخران هما: مناقشة وإقرار خطة التنمية/البرنامج السياسي للحكومة، ومناقشة وإقرار الحسابات (المالية) الختامية للمؤسسات والهيئات العامة.

بعبارة أخرى، فالبرلمان يقرّ أهداف الإنفاق ومجالاته (الخطة)، ويشرع لمصادر التمويل اللازمة لتنفيذ الخطة (الموازنة)، ثم يراقب معايير وكفاءة الإنفاق (الحسابات الختامية). ومن هذه العناصر الثلاثة تتكون ملامح الدور المالي.

والموازنة العامة للدولة هي الوثيقة التي تشتمل على بيان بالتقديرات حول إيرادات الدولة واستخداماتها لفترة مقبلة تقدر عادة بسنة[3]، ويعد اعتماد البرلمان لهذه الوثيقة بمثابة ترخيص من جانبه للحكومة بتحصيل الإيرادات وإنفاق المصروفات.

والموازنة العامة تتضمن تقديرا للنشاط المالي المتوقع للدولة خلال عام مقبل بالإضافة إلى تقديرات مستقبلية للإيرادات والمصروفات، أما الحساب الختامي فهو الوثيقة التي تشتمل على النفقات والإيرادات الفعلية التي تحققت خلال السنة المالية المنصرفة، أي أن أرقام الحساب الختامي توضح الصورة التي تم بها تنفيذ الموازنة، وبالتالي الحساب الختامي يمكن اعتباره الموازنة الفعلية، في حين أن الدور المالي للبرلمان بالمعنى السابق ينصرف إلى "مشروع الموازنة" (Budget proposal).

من هنا تأتى أهمية الحساب الختامي، والدور الكبير الذى قد يلعبه البرلمان في هذا الشأن. وبالرغم من هذا لم تحظى مناقشات الحساب الختامي بالقدر المعقول من الأهمية والفعالية التي تحظى بها مناقشات الموازنة العامة.

والموازنة هي إعلان السياسة الوحيد الأكثر أهمية الذى يتم إعداده سنوياً. وهى تبيّن ما تعتزم الحكومة فعله، وكيف يتم فعله، وكيف يتم دفع تكاليفه.. (أي الضرائب، والاقتراض، والمساعدة الخارجية).

وتنعكس أوليات الدولة في موازنتها. وإلى حد بعيد، يمكن قياس أهمية البرلمان عن طريق دوره في عملية الموازنة.

ومن أجل الرقابة البرلمانية الفعَّالة يجب على الأعضاء مراقبة نشاطات السلطة التنفيذية من حيث كفاءتها وأَمانتها وشفافيتها وإخلاصها، لضمان استخدام الأموال التي يخصصها البرلمان بطريقة قانونية وفعَّالة وللأغراض التي تم تخصيصها لأجلها.

وعملية إعداد الموازنة هي الدور "الأساسي" الذى تؤديه البرلمانات في النظم الديمقراطية المعاصرة، أي من خلال مساهمتها في المساعدة في تحديد أولويات الإنفاق، وفى الموافقة على أساليب جمع الإيرادات اللازمة لتغطية هذه المصروفات. وفى المقابل، فإن الرقابة على الحسابات الختامية هي المرحلة "اللاحقة"، أي مراجعة الإنفاق الحكومي والنشاطات العامة لتحديد ما إذا كان هناك هدر أو فساد، ومن ثم طرح أسئلة تتعلق "بالقيمة المتحققة من هذا الاستثمار المالي".

ويتم إعداد مشروع الموازنة من جانب الحكومة، وتستخدم قدراتها الفنية والموارد البشرية الهائلة في ذلك، بينما تتوقف قدرة البرلمانيين على مراقبة هذه الموازنة على كفاءة العضو، والجهاز الفني المعاون له بصفة عامة.

وعلى الرغم من أن عملية إعداد الموازنة قد أصبحت قاصرة على السلطة التنفيذية، فإن ذلك دائما ما يتم على هدى من الضوابط التي يضعها البرلمان، الذى احتفظ لنفسه بحق سن القوانين التي تنظم أسلوب إعداد الموازنة وطريقة عرضها عليه، على النحو الذى يكفل كفاءة وسهولة ممارسته لرقابته على مالية الدولة، ومن أهم هذه المبادئ: مبدأ وحدة الموازنة وشمولها وعموميتها، وتوازنها، وأيضا مبدأ سنوية الموازنة.

 

 أنواع الرقابة البرلمانية على السياسات المالية

البرلمان هو صوت المجتمع، فالمواطنون قد اختاروا أعضاء البرلمان ليعبروا عن مصالحهم ويراقبون أداء الحكومة. وبالتالي فإن أهم وظيفة يقوم بها البرلمان هي الرقابة على صنع وتنفيذ السياسات المالية والموازنة العامة للدولة.

ومن هنا يمكن القول أن هناك نوعين من الرقابة البرلمانية على السياسات المالية:

النوع الأول: الرقابة على عمليات صنع الموازنة العامة للدولة. وهذا النوع من الرقابة هو ما يطلق عليه الرقابة قبل الصرف (أي الرقابة قبل القيام بعملية الإنفاق) فالحكومة عندما تتقدم بموازنة العام المالي للجديد للبرلمان ليقرها فإنه يقوم بفحص ومراجعة تلك الموازنة بهدف التأكد من ثلاثة عناصر أساسية وهي:

  • أن الحكومة لم تقوم بفرض ضرائب جديدة على المجتمع دون الرجوع إليه، وأن كافة أنواع الضرائب والرسوم التي وافق عليها البرلمان سوف يتم اتخاذ كافة التدابير الممكنة لتحصيلها.
  • أن النفقات التي سوف تقوم بها الحكومة على مدار العام القادم تتوافق مع أولويات المجتمع وتلبي احتياجات خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في القطاعات المختلفة من تعليم وصحة وإسكان ومياه شرب وصرف صحي وغير ذلك.
  • أن المستوى المخطط للفرق بين الإيرادات والنفقات التي سوف تقوم بها الموازنة على مدار العام القادم(عجز أو فائض الموازنة) يتفق مع ما يراه البرلمان.

 

النوع الثاني: الرقابة على عمليات تنفيذ الموازنة وهو ما يطلق عليه الرقابة بعد الصرف (أي الرقابة بعد القيام بإنفاق الموارد على أوجه الاستخدام المختلفة). فبعد أن يقر البرلمان الموازنة ويعتمدها تصبح قانون نافذ. وتقوم الحكومة بتنفيذ قانون الموازنة على مدار عام مالي كامل. وبعد نهاية تنفيذ الموازنة تقوم الحكومة أو وزارة المالية بتقديم كشف حساب للبرلمان تتناول فيه كافة أوجه الإنفاق والموارد التي قامت بها خلال العام المالي. وكشف الحساب هذا يعرف بالحساب الختامي للموازنة. ويقوم البرلمان في عملية الرقابة بعد الصرف بفحص ومراجعة الحساب الختامي للموازنة بهدف التأكد من عنصرين أساسيين وهما:

  • تحليل الفجوة بين مستوى الإنفاق الفعلي والمخطط وأسبابها، للتحقق من أن تلك الفجوة في حالة وجودها لا ترجع إلى انحرافات مالية، وذلك فيما يطلق عليه بمراقبة ومراجعة عملية صرف الأموال. ويستعين البرلمان في هذا التحقق بتقارير الجهاز المركزي للمحاسبات وملاحظاته بشأن نتائج تنفيذ الموازنة.
  • التأكد من عملية امتثال الجهات التنفيذية والحكومة للملاحظات التي أبداها الجهاز وأنه تم اتخاذ كافة الإجراءات التي تكفل معالجة الانحرافات المالية في حالة وجودها، وذلك فيما يطلق عليه بعملية مراقبة أو مراجعة الامتثال.

ويستعين البرلمان في القيام بذلك بتقارير الأجهزة الرقابية. ولعل أهم الجهات الفعالة الأساسية في تنفيذ الرقابة البرلمانية على السياسات المالية هي لجنة الخطة والموازنة، باعتبارها اللجنة المنوط بها رسميا فحص ومراجعة مشروع الموازنة العامة للدولة ومراقبة تنفيذ الحساب الختامي للموازنة، وكذلك اللجان النوعية بالبرلمان من خلال قيامها بحضور جلسات الاستماع التي تعقدها لجنة الخطة والموازنة لمناقشة الموازنة والحساب الختامي ومن خلال ملاحظاتها التي تقدمها للجنة الخطة والموازنة عند مناقشة مشروع الموازنة، وأيضا جهاز المحاسبات باعتباره الجهة الرسمية والمستقلة المنوط بها مراجعة تنفيذ الموازنة وتقديم تقارير للبرلمان بنتائج هذا التنفيذ.

 

معضلات الرقابة

يقع النائب المهتم بممارسة دوره الرقابي بين "شقى الرحى" في خلال عمله البرلماني، خاصة في القضايا الحساسة مثل ملفات الفساد والاتهام المباشر للحكومة، لأنه يواجه معضلات متعددة، أهمها:

أولها، الازدواجية في أدوار النائب

أي الازدواجية بين دور النائب في ممارسة دوره الرقابي من موقعه البرلماني من ناحية وتأثير انتماءاته السياسية والحزبية والاجتماعية على أدائه لهذا الدور من ناحية أخرى. وهناك صورتان على الأقل توضح أبعاد هذه المعضلة، هي:

أ- بين دوره كنائب عن دائرته يقع عليه عبء خدمتها، وكونه في الوقت ذاته نائبا عن الأمة (ونصير لها في مكافحة الانتهاكات)، وهنا ربما يحدث تضارب، يحتاج إلى وقفة. ذلك أننا أمام معضلة قد تؤدى بالنائب إلى فعل أشياء تدخل في إطار الانتهاك أو غض الطرف عن الفساد ولكنها موجهة لصالح مواطني دائرته أو منطقته، وفى الوقت نفسه نطالبه بمهارة دوره الرقابي على المستوى الوطنى ككل.

ب- بين كونه جزءا من النخبة الحاكمة من ناحية ودوره في مراقبة الحكومة من ناحية ثانية. فإن محور المطالبات بشأن الرقابة تتجه صوب السلطة التنفيذية باعتبارها القادرة على تصحيح الأوضاع. والمشكلة هنا أن النواب هم مراقبو السلطة التنفيذية ولكن النائب قد يحتاج إلى خدمات الحكومة، برغم أنه في الوقت نفسه عليه مراقبتها، كيف له إذا أن يحقق هذا التوازن؟! يحتاج إلى معالجة واضحة لهذا.

ج- الازدواجية في علاقة النائب مع حزبه أو تياره السياسي وتأثير ذلك على مواقفه داخل البرلمان، هنا قد يظهر ما يمكن أن نطلق عليه "الفساد الداخلي" في البرلمان. فإلى أي مدى يستطيع النائب أن يرفع أو يزيل التناقض بين ارتباطاته وتوازناته داخل المؤسسة البرلمانية ومسئوليته في ممارسة دوره الرقابي. ومن هنا فيجب على النواب احترام الكتل الحزبية التي ينتمون إليها ولكن مع التحلي في الوقت نفسه بالجرأة في إظهار هذه المشاكل بدلا من إخفائها، فالسكوت عن المرض لا يكون علاجه.

والمعضلة الثانية هي محدودية التقدير الاجتماعي للرقابة البرلمانية

وهى قد تبدو ثانوية للبعض، ولكنها جوهرية في نظر النواب، وهى: هل يحصل النواب على حقهم في التقدير الاجتماعي لجهودهم في ممارسة الرقابة؟ ولهذا بعدان:

أ- هل لدينا إعلام منصف للنواب؟ إن الإعلام –الرسمي على الأقل- لا يعطى النواب حقوقهم عندما يحتفل بقصص النجاح في ممارسة الرقابة، ولكنه ينسب الفضل كله للحكومة. كذلك، فقد يبالغ الإعلام بدور بعض النواب ويضع آخرين في الظل بشكل غير منصف. هنا قد يتساءل النائب: بعض الناس يبذلون الجهد كله؛ وآخرون يجنون الثمار كلها! قد يستمر أغلب هؤلاء في عملهم البرلماني كنوع من أداء الأمانة، ولكن آخرين قد يصابون بالإحباط.

ب- هل البرلمان يصدق الحكومة أم المعارضة بخصوص المعلومات حول ممارسة الرقابة؟ فقد يجتهد النائب للحصول على البيانات من مختلف المصادر والمعلومات حول بعض الوقائع وأدلة أو قرائن تؤكد وقوعها، وهى مسألة شاقة في أغلب الأحوال، لأن البيانات "الرسمية" التي يمكن الاستناد عليها في بعض القضايا تأتى من الحكومة ذاتها، ولن يكون يسيرا أن تسهّل الحكومة مهمة النائب في الحصول على بيانات تدينها. إلا أن الأخطر من هذا، أن الحكومة ربما تضمن تصديق الأغلبية لما تقوله، وبالتالي تأمن جانب البرلمان في الأمر برمته.

و التحدي الثالث الذى يواجه الرقابة البرلمانية يتعلق بالسياسات المالية، من حيث عدم قدرة البرلمان على التأكد من أن عملية تخطيط صرف الأموال والقيام بصرفها تسهم بشكل فعلى في تحقيق أهداف خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وذلك نتيجة لعدم تزامن عملية المراجعة والفحص قبل الصرف بأهداف محددة وقابلة للقياس تسعى الوزارات التنفيذية لتحقيقها، وبالتالي يمكن المحاسبة على مدى تحقق الهدف من عدمه.

 

 

 

المحور الرابع:

تعزيز تواصل العضو مع المواطنين وأثره على الدور الرقابي

 

يجدر التنويه بداية إلى أن كلمة "العضو/عضو البرلمان/البرلمانيون" تستخدم للإشارة إلى أعضاء المجلس/البرلمان، سواء كانوا منتخبين أو معينين، وبصرف النظر عن التباين في صلاحيات المجلس واختصاصات أعضائه. كما تستخدم عبارة "التواصل مع الناخبين" ليس فقط بمعنى الناخبين وإنما تشمل التواصل مع المواطنين عموما.

فما هي الأسباب التي تجعل من الضروري على العضو بناء وتعزيز علاقات جيدة وطيبة مع المواطنين؟

  • أن عضو البرلمان "شخصية عامة" ومن ثمّ يحتاج للمحافظة على مصداقيته وسمعته وإلا فربما فقدَ مكانته، والثقة التي يريدها من الجماهير.
  • كما أن عضو البرلمان عليه التزام أخلاقي، باعتباره أحد طرفي عقد وكالة أو نيابة مع المواطنين (في حالة انتخابه) أو عقد تكليف مع رئيس الدولة (إذا كان معينا)، وفى الحالتين فإن المعنى بتحقيقه لهذا الالتزام هو المجتمع في مجموعه، ولابد بالتالي أن يتمتع بأخلاقيات سياسية.
  • وفى حالة البرلمان المنتخب، فإن هذا الالتزام الأخلاقي يتحول إلى مصلحة عملية، حيث أن أهل هذه الدائرة هم الذين قاموا بانتخابه لتمثيلهم يتأثرون بعلاقاته معهم عندما يخوض امتحانا تاليا لشعبيته، أي من أجل تعزيز ثقة الناخبين، ولضمان استمراره في العمل العام.

 

وتختلف العلاقة بين الأعضاء وجمهور الناخبين عن العلاقة بين المواطنين والحكومة، وذلك تبعاً لاختلاف الدور والصلاحيات وطريقة تولى المنصب، وغيرها من العوامل..، حيث أن أساس عمل البرلمانيين هو "النيابة عن المواطنين" في وضع التشريع، ومراقبة الحكومة، في حين أن الحكومة، ولو كانت منبثقة عن الأغلبية البرلمانية، تقوم بتنفيذ السياسات التي يقرها البرلمان، وتكون مسئولة أمامه أولا من الناحية الدستورية والسياسية، وبالتالي فالأرجح أن تكون علاقتها مع الناخبين غير مباشرة.

ويلاحظ أنه في الوقت الذى قد تعتبر فيه القيادات السياسية العليا أن تأثير الجمهور ضئيل على أدائهم لوظائفهم، فإن الأعضاء يعتبرون هذا الجمهور الوسيلة التي تمكنهم من تقييم سياسات الحكومة فالأعضاء يمثلون مصالح الدوائر عندما يلعبون دور مؤثر في صنع السياسات وبالتالي فإن تقييم مدى نجاح السياسات يعتمد على رضاء جمهور الناخبين واستجابتهم لها.

وعموما، يلاحظ أن الحكومة تنظر إلى الجمهور نظرية تجريدية، أما العضو فنظرته أكثر ذاتية، ربما لأنه يعرف المواطنين كأشخاص وليس كأرقام في معادلة التنمية. وغالبا ما تنظر المكاتب البيروقراطية الحكومية للسياسات نظرة شمولية ومقارنة macro، ولكن الأعضاء ينظرون إلى السياسات من خلال مدى تأثيرها المباشر micro على الجمهور الذى يعرفونه ويتعاملون معه ربما يوميا، وذلك بسبب الارتباط بين الأعضاء والدوائر الانتخابية، بالتالي تختلف نظرة البرلمانيين والحكومة إلى تأثير السياسات العامة على المواطنين.

 

فالنظرة الفاحصة لوظائف البرلمان تكشف عن هذا الأساس الفلسفي في محورية التواصل بين العضو والناخبين، على النحو التالي:

  1. وظيفة تمثيل مصالح المجتمع، فغالباً ما يسعى نواب البرلمان إلى تمثيل مصالح دوائرهم الانتخابية، بجانب المصالح العامة الطبع. ولا يوجد تناقض بين النوعين، طالما المقصود هو المصالح "العامة" للدائرة[4]. من هنا، يحتاج العضو بداية إلى التعرف على اتجاهات جمهور الناخبين واحتياجاتهم، ثم الدخول في عملية تفاعل صريح معهم.

2- وظيفة صنع السياسات، فالأعضاء يمثلون مصالح الدوائر جيدا عندما يلعبون دورا مؤثرا في صنع السياسات، كما أن تقييم هذه السياسات يتأثر أساسا بدرجة رضاء جمهور الناخبين عنها واستجابتهم لها، وهو ما لا يمكن معرته جيدا إلا من خلال التواصل المباشر مع الناخبين.

3- وظيفة المراقبة والمحاسبة، حيث تنصرف إلى البحث البرلماني في كيفية عمل الحكومة، والوظائف التي تؤديها السلطة التنفيذية، والأداء الذى تقوم به..، وكل هذا لا يعتمد فقط على ما لدى العضو من بيانات رسمية، وإنما يرتكز في المقام الأول على درجة تأثير السياسات العامة على المواطنين، ومدى الإلحاح في مراجعتها وتغييرها[5]. وفى حين تنظر الحكومة نظرة فنية، يهتم الأعضاء بتأثيرها على الجمهور، طالما هناك ارتباط بين الأعضاء والدوائر الانتخابية.

 

 

[1]  فيما يسمى أيضا "ثورة أعضاء المقاعد الخلفية"  backbenchersفى هذه البرلمانات حيث باتوا أكثر تأثيرا فى مناقشات المجلس ولم يعودوا يقبلون بدور المراقب والنائب المطيع لأوامر قيادات الكتل الحزبية.

[2] (مثل يوم الأربعاء فى مجلس العموم البريطانى، وتعرف بفترة الأسئلة question period، وكذلك الشغف المتزايد فى هولندا بمتابعة الفترات المخصصة لمساءلة رئيس الحكومة، الى حد يشبه الطقوس الأسبوعية)

*  ولا أجد غروا فى استخدام لفظة "مكلمة"، التى اشتق منها تعبير البرلمان ذاته.

[3]   فى البحرين، مثلا، الموازنة لمدة سنتين.

[4]  وربما يحمل البعض عبارة "النائب المحلى أو نائب الخدمات" أكثر مما تحتمل واقعيا، حيث ماذا كون الغرض إذن من توفير مكاتب للعضو فى الدئرة، والدعوة اى تواصله مع اناخبين إذا لم يتضمن السعى اى إنجاز خدمات؟.. بل إن أعق وأكر البرلمانات الديمقاطية تقرر للعضو "مزايا" خاصة فى التوصية لدى الحكومة والأجهزة التنفيذية، حتى القطاع الخاص، لأداء خدمات معينة لللمواطنين عموما وللناخبين خصوصا، فما لا يتعارض مع النزاهة واحترام القانون.

[5]  ويمكن القول أن الإنحسار فى البيانات الرسمة، حتى لو كانت وثائق حكومية لا يغنى عن استحضار أثر السياسات التى يراقبها العضو على الواقع المجتمعى، ودرجة رضاء الناخبين عنها، باعتباهم صاحب الحق الأصيل والموكل، الذى كلّف البرلمانيين بمراقبة أداء الحكومة نيابة عنها، ومن ثم لا يجوز "تحريك الدعوى" بدون علم ورضاء صاحب الحق الأصيل.



عدد المشاهدات: 13337

طباعة  طباعة من دون صور


  كاريكاتير

رزنامة نشاطات المجلس





للأعلى