مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية 

الحضارة المعاصرة... د. نبيل طعمة

الأحد, 16 آب, 2020


ترتكز على علوم العمل الذي يعتمد نجاحه على النظام التعليمي، لأن البناء التكويني لقدرات الإنسان يكون بين الثانية عشرة من عمره حتى الخامسة والعشرين، هذا ما يهيِّئهم للتفاعل مع الحياة لخمسين عاماً، ونطلق عليها المدة الطبيعية للحياة النشيطة الفعالة للإنسان، ومنها نستطيع أن نحكم على مستوى التعليم وطبيعة الحياة التي تتحكم بالمجتمع، وإذا دققنا نجد أن حالة التعليم المنتشرة وعلى الصعد كافة تتفق مع مرحلة العيش المأزوم، ولا تتطابق مع مراحل بناء التطور وإحداث التقدم، وهذا يدلنا على أن ما نمر به من أزمات متلاحقة، إما أنها لم تسمح للقائمين على الشؤون التعليمية بالانتباه لهذه المسائل، أو أنها لم تدرك الآفاق الطموحة للوصول إلى بناء عمليات التكوين بالأشكال المأمولة، ومن المؤكد أن من يتابع مستويات التعليم يدرك بعجالة أنها تعكس طبيعة المجتمعات وأنواع ودرجات العمل التي تتحكم بها.
الحضارة المعاصرة أنهت الجدل حول الوجود الإلهي، باستثناء الندرة من متابعيها، وقالت له: إنها تثق به، لأنها آمنت بالعمل، وطالبته بأن يثق بها، منهية بذلك سيطرة المذاهب الروحية الفطرية والتخيلية حول وجوده، وأفسحت للشك العلمي أن يستمر، شريطة أن يصل إلى اليقين، من باب أن نتائج النظرية أو الفرضية يجب أن تكون قابلة للتطبيق، أي نتيجة صحيحة، فلم تعد التصورات النظرية كافية للتفاعل مع المستجدات المتسارعة للحضارة المعاصرة، لكونها تريد تقدم الفعاليات الإنسانية ومخرجاتها ومقارنتها مع مثيلاتها، هذه التي تؤدي إلى سقوط المتأخرين أو تقهقرهم نحو الوراء، أو توقف تقدمهم نتاج عدم قدرتهم على المتابعة، أو بسبب الظروف القاهرة، مثل انفلات سلطة الطبيعة، أو الحرب بكل أشكالها، داخلية أو خارجية، أو استشراء الفساد، وهذا يوضح أن على الشعوب الباحثة عن التطور ضرورة تحسين كفاءة العمل لديها بشكل دائم، وعدم الاكتفاء بذلك، بل مراقبة هذه التي تؤدي إلى معالجة الخلل أينما ظهر، وبهذه النقلة فقط تستطيع إظهار نتائج العمل الخلاق، ويصل إنسانها إلى مرتبة الوعي الناضج القادر على تحمل المسؤوليات مهما بلغت، لأن السائد لدى مجتمعاتنا أن الجميع متمسك بفرضية الوعي التي تقول: إن هذا ماء، وهذه نار، ولكن النضج في الوعي يأخذك إلى تركيب الماء الكيميائي وماهية فلسفة وجود النار كحاجة إيجابية في التطور وسلبية في التهام التطور، وهذا ما يؤكد أن أي عملية تطور عليها فحص ما تمتلك من عقائد وأفكار وحضارات مرت منها، أو عاشت في محيطها، ولا ضير من ربط الماضي بالحاضر، كي نصنع الغد.
 مسألة أناقشها معكم قرائي الأعزاء، هل قمتم بتحليل أوقات فراغكم، وقيَّمتم مساحته التي ينبغي أن تملأ بالراحة التي لا يعني أبداً الطعام والجنس والنوم، وإنما أن يملأ محتواه؟ إضافة إلى ما ذكرت بالمفيد، أي تطوير فلسفة إملاء الفراغ بالتأمل والقراءة والرسم والموسيقا والرياضة إلى كثير من القضايا التي تنعكس على البناء الأسروي، وبالتالي تظهر آثارها في المجتمع الذي يؤسس منه تسارع الدخول في الحضارات المعاصرة، وهنا لا ينبغي لنا أن نتوقف عند مسألة الوجود أو العدم، ولا عند المنظومات الدينية المنجزة في العقل القديم والمتوارثة كجين متنوع أصاب هنا وهناك، وما بينهما، ولا عند مسألة الحياة أو الموت، إنما نندفع لفهم معاني ومغازي الحضارة المعاصرة، وهل نقدر على الانخراط فيها، مع تأكيدي أن تطوراً وتقدماً لا يمكن أن يحصلا إلا إذا تخيلتهما عقول قادرة، وأَمِلت به، فذهب لتعمل به، وذهب لتعمل بجدٍّ له.
تدلنا مشاهد الحضارة المعاصرة على أنواع تطورها، فأولها تصارع الأحياء مع بعضها بشرف أو من دونه، حيث يبقى الأفضل أو الأقوى، وتصارع المجتمعات فيما بينها لرسم الصورة الأفضل، وصراع الدول من سطوتها على بعضها وتحصين وجودها، كل هذا يقودنا إلى أنه ينبغي على الإنسان إن أراد التطور فعليه أن يوجد وجوده ويدعمه ويحميه، ومن ثم أن يوجد ما يؤمن به من خلال ديانة أو معتقد أو الحب وقواه الخفية، التي بها ينال التطور والتقدم وتنظيم طاقاته الشخصية والإنسانية إلى الوجهات الأعلى والأفضل والأرفع، وإذا وصل الإنسان إلى مفهوم التقدم والارتقاء ينتهي الانشغال بمظاهر الأشياء، ويتحول إلى قيمها المسكونة في جوهرها، فتتطور القدرات مما هو في أساسه ممكن، بما أنه مسكون في الجوهر، لينهي فكرة المستحيل، ويكون بذلك أقرب إلى الإعجاز حين صناعته، من دون أن يستطيع الآخر نفيه، بل على العكس يبدأ في تقديم الاحترام، لأن فعل التطور قد حدث فعلاً، وهذا ما نريد أن نصل إليه في زمن الحضارة الحديثة التي نعاصرها ونحيا بين عجائب تطورها وخفاياها، ما يدفعنا لأن نتعلم منها، وبكل ما أوتينا من سرعة، فمن دون ذلك تعدو الحياة مملة وثقيلة، ليكتفي الإنسان بالروحانيات فقط، فيتواكل، ويؤمن بالانتظار وبوعود الآخرة.
الحضارة المعاصرة تعتمد على التفاوت الطبقي، وترعى هذا ضمن آليات محددة، وأحياناً قانونية، بحيث لا يسلم منها إلا أصحاب الأفكار الخلاقة، مع مراعاتها إلى حد ما لمصالح تنوع فئاتها ضمن مجتمعها الواحد، وبما لا يشكل عبئاً على حكومتها، وعندما ندقق في التفاصيل نرى أن الدعم يتمحور في الإبقاء على المجتمع ضمن قدرات العيش، أي تحويل الأفراد والأسر إلى منتجة للاكتفاء، لا إلى الطموح مع الدعوات الدائمة لتخطي حواجز الجهل والمرض والتخلف، أي تقريبهم من نظرية رعاية أنفسهم والتخلي عن رعاية حكوماتهم، ولكن كيف يحدث هذا؟ بالتعليم والتأهيل والدفع باتجاه تحقيق ذلك علمياً وعملياً، أم بالضغط والإكراه؟ والسؤال الأهم: كيف بنا نقضي على الفقر والأمية الفكرية؟ في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومات عن أن فقر الفقراء هو سبب كسلهم ومحدودية طموحاتهم، وليس بسبب ظروفهم الحياتية وحرمانهم من الفرص المتساوية، وليس بالفرض عليهم لشعارات التحمل وقيم وأخلاق الانتظار والأخروية أو الآخرة، بدعم من النظم الدينية المدعومة في الأساس من السياسات الحكومية.
 أليس كل هذا يشير إلى ألغاز الحضارة المعاصرة؟ التي تقلب جميع المفاهيم والقيم، وتحيل المجتمعات وأفرادها إلى قطيع وتوابع لمصالح الأقوى والأغنى، ولماذا لا يترك مفهوم التنافس الإيجابي القائم على الصعود والهبوط والمستند إلى تحمل نتائج الخطأ؟ ألا تجد أن عالمنا اليوم امتلأ بالتحريفات الأيديولوجية والدينية؟ فقد اتجه إلى لغة الإثارة المستندة إلى أن الحروب القادمة حروب غذاء وماء وهواء، وأن مشكلة التخلف تكمن في الجنس والإنجاب، وأن المشتكين الدائمين من الحرمان والفوارق الاجتماعية هم ذاتهم المتخلفون علمياً وتعليماً، لأنهم وكما قلت كسولون وانتهازيون في آن.
 إن ما يجعل المشهد محزناً ونحن نتحدث عن المعاصرة والحداثة أن القرارات الحكومية لم يعد يقلقها مشاهدة بؤس الطفولة وتحطم أحلام الشباب وانتكاسات الكهولة، ولا مناظر التخلف أو مشاهد الهاربين من الوطن إلى مآسي الاغتراب، وجل ما يهمهم تأمين التوازنات المالية والحزبية والمذهبية والعرقية، وعدم المساس بالامتيازات غير العادلة، وما نتابعه من اجتماعات ومناقشات ما هو إلا عن حالات دعائية تؤدي إلى إحداث التنويم المغناطيسي، ويستمر ذلك.
إن مرحلة العصر الراهن تقول: لا مكان لعامل لا يعمل، ولا متخاذل ينشر روح الإحباط والنكوص في أسرته ومحيطه، ولا لمتهرب من بناء وطن والإسهام فيه بكل فعالية وقوة، لأنها تهيّئ للجميع دعوات للاستفادة القصوى من منجزات هذه المرحلة التي تدعو إلى خلق متقدم ومتطور إنسانياً وفنياً وعلمياً، فيكون بذلك مظهر الحياة المشاهدة، فيستمر.

د. نبيل طعمة



عدد المشاهدات: 821

طباعة  طباعة من دون صور


  كاريكاتير

رزنامة نشاطات المجلس
للأعلى