مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية 

النهوض يتحرك ... د. نبيل طعمة

السبت, 28 أيلول, 2019


بقوة، وينتظر في آن شريطة وضوح الاتجاه إلى العمل، ثم العمل، ثم الإخلاص في العمل، الذي آن له أن يحل محل الكلام الحامل للوعود والوعود المسبوقة بسوف وربما، والظروف لا تسمح بسبب ومن دونه بأن التضخم يقف خلف الأبواب، وطبيعة البشر تلجأ إلى الكلام، حين لا تمتلك القدرة أو القوة على إحداث الفعل وإنجاز شيء مهم، وتكون محاولة تقتل الوقت بلا فائدة.

 هذا هو الحال، فإذا كان امتلاك الكلام غاية التأثير في الناس فليكن، وفهمكم يغني، وكأن بنا لم نمر بأزمات، وهنا تدعو الضرورة لإلغاء هذه المفردات واستبدالها بأجزم وسين التأكيد، وحينما ندقق في حركة المجتمعات والدول البعيدة والقريبة نجد أن جميع الحكومات الحديثة الولادة، التي قامت خصوصاً بعد الحروب الطاحنة أنجزت نهضات مذهلة، بعد أن اعتمدت خططاً ومناهج رسمت، وحُدد لتنفيذها زمن واضح ومحدد، وجرى ذلك وفق الاعتماد على أبناء الوطن واتخاذ قرارات تنفيذية غايتها إحداث نتائج اجتماعية واقتصادية وسياسية، اعتمدت وسائل جديدة فكرية ومادية، تزيد الثروة الأهلية، وتتعادل مع نمو السكان، وتسدّ الحاجات المرافقة للنمو في الدفاع وزيادة الأمن والأمان، وتغني المستقبل الذي لا ينبغي أن يكون رهينة إلا بيد مواطنيه.

 قد يقول قائل: بمن نعمل؟ فالعقول عاجزة، والأيادي تتقبل الخطيئة، فهل نستمر في ارتجال الحلول المؤقتة، أو نأخذ تجارب الآخرين الجاهزة والمعلبة، لنكتشف بعد أن يمر القطار بأنها غير صالحة؟

 هل تتقبلون لغة الحوار؟ أم إننا غارقون في الخصومات؟ فإذا اختلفنا على رأي كنا شرسين هائجين، ندوس على كل شيء، ونحطم كل شيء، حتى الحدود المقدسة نحاول محوها وتدميرها ورميها بعيداً من أجل ذلك، فالحياة ليست كلمة تقال في مجالس أو محاضرات أو خطب، لأنها نوعية وذات رنين جميل، والوطن الحقيقي بناء شامخ تتعاون فيه السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، تنتصر للمواطن والوطن، وإن كل طعنة تصيب كتلة الوطن بما فيه، وتحللها إلى عناصر أو قبائل أو طوائف هي طعنة مسمومة، تصل مباشرة إلى قلب الشعب وصميم حياة الوطن، لذلك يجب أن نُفعّل التنافس للقيام بخدمة المجتمع، عبر إملاء أيادي مواطنيه بالحب وكرامة العيش ودعم سواعدهم من أجل إدارة عجلة البناء والإعمار، لأن النهوض يحتاج إلى المواطنة، والمواطنة تحتاج إلى الوطن، والوطن يحتاج إلى قيادة نوعية تعمل مع قائد موجه موجود بيننا، وإنسان خلاق يندفع بإيمان لإظهار جودة الأداء، الذي به ومن خلاله يظهر الانتماء والولاء.

صحيح أن جنسنا البشري سواده امتلك غريزة الثرثرة وغريزة القتال، لأنه امتلك القدرة على الكلام دون باقي المخلوقات، وجله يقوم بذلك، لأسأل: هل حاكمنا عقولنا، أفكارنا، أقوالنا؟ هل سأل القائمون على الأمور أنفسهم بأننا على صواب؟ أجدنا نقع دائماً في الحيرة كلما تركتنا الظروف وجهاً لوجه أمام حركة التطور، نتوقف وكأن بنا نبحث عن فرج أو مخرج، فلا نجده إلا في الحروب والتخلف، لأن انشغالنا فيها يبعدنا عن المضي الجدي للدخول في حركة نهوض شاملة، يجب أن تكون مسكونة في العقول، إلا أننا نجدها تنتظر أن يفسح لها عبر العمل الجدي والحركة المنتجة، لا الدوران في الفراغ والاكتفاء بتدوير المشكلات بدل الانخراط الفعلي في علاجها، ولنا في نهوض اليابان والكوريتين وفيتنام وجنوب شرق آسيا الكثير من العبر، وجميعها نهضت من الصفر، وبعد حروب طاحنة لم يبق لديها شيء، وألفت انتباهكم أيها السادة الباحثون عن النهوض وكيفية إيجاد سبله، إلا أنَّ غريزة الجوع والقهر هي أهم ما يجب علاجه، وهذه بحد ذاتها لم تحظَ حتى اللحظة بالاهتمام، كما حظيت الغريزة الجنسية باهتمام الفسح أو التحريم الديني والاجتماعي، هذه الغريزة أي الجنسية لم تخلق عبر كل العصور أي مشكلة أخلاقية، لأنها غير مكلفة وفردية، بينما الأولى حالة مؤثرة منهكة للفرد وللمجتمع، وإذا ما حللنا هذه المعضلة، تنتهي البلاد، ويتجه الإنسان إلى العمل بثقة وثبات.

إن الاستهتار بالمثل العليا والمبادئ الأخلاقية السامية ونفي الصح والحق عن الطبيعة الإنسانية والإيمان بالمنفعة واللذة الفردية والانعتاق من الموجبات الوطنية ومقتضيات المروءة والقواعد الإنسانية الصحيحة، يؤدي إلى تدمير المجتمع، وبالتالي إضعاف أو إنهاء مشروع النهوض، كما إن العودة إلى الحركات الدينية والطائفية البغيضة الماضية تربك المجتمع، وتذهب به إلى التقسيم، وتضعف نموه، وتشل نشاطه الفكري والاجتماعي، كما إن بث الشك في إبداعات مواطني أي مجتمع وقدرتهم على استنهاض واقعهم يؤخر نموهم الوطني وازدهارهم الاقتصادي، ويشجع على العمالة والخيانة والهروب والهجرة واللجوء والنزوح، لذلك ينبغي إنقاذ البلاد من فساد كبير، وإيقاف عمليات النقد اللاذع، وتوجيه وسائط التواصل الاجتماعي إلى عمليات البناء وتعزيز التقدم في استحداث النظم والقواعد والقوانين التي تلائم تطورنا وطموحنا، ولا ضير من نقد يظهر مساوئنا وعيوبنا، نقد منطقي خلاق لازم لبقاء الحياة الإنسانية، مترجم لروح العمل، متحلٍّ بالشجاعة التي تواجه المصاعب الفردية والاجتماعية، مبتعد عن البغض المزمن والحقد والحسد اللذين يمزقان القلوب، ويوقفان العقول عن النجاح والتقدم، وهنا تجدني لا أدافع عن النقائض البشرية، فما نكسبه من استقامة السلوك عن طريق تطور العقلانية نفقده أمام هزلية الحياة وعبثيتها المفاجئة، وكثيراً ما تكون سبباً رديئاً لخسارة الفضائل.

إنها الحقيقة المرة، تنطبق إذا وقعت على أي مجتمع أو دولة أو أمة، وتحدث في كل مكان وزمان، والشواهد وتضادها كثيرة، إن ازدراء الناس لبعضها يقتل النور الذي يبقى من الجهل دون إضاءة، فالبعض وأنا منهم يريد ترك الماضي من أجل الالتفات إلى المستقبل، لأن رواسبه أرهقتنا، وأعاقت تقدمنا، بل صنعت عقبات في طريق اللحاق بالركب الحديث.

 تعالوا ولننظر إلى الأجيال القادمة، ولنتفكر كيف تنظر في عملية النهوض ضمن مرحلة انتظار قاتلة لفكرهم، بدلاً من الاستفادة منهم بإدخالهم وإشراكهم في عملية تقدم ينبغي أن تحصل أيضاً، ننتظر قرارات حاسمة تدعو الكل للنهوض، ومعها تجري عمليه الوعي، لأن الوعي الحالي مشوب بكثير من الغموض، والغاية من إحداث ذلك كي يستبين وجهته الواضحة، يكمن في الحفاظ على الحياة الاجتماعية القائمة من الاعتماد على العقول السليمة التي تولد الأفكار الخلاقة.

إن الفكرة والمادة مرتبطتان ومتعاونتان، فإذا نجح اتحادهما قامت النهضة، لأن فكرة التطور والتقدم تشكلان صورة أي نهضة، وهذا الإشعاع تأخر كثيراً في عالمنا العربي، وحتى ضمن واقعنا السوري، لأننا مازلنا ندور حول مستودع أفكارنا، وكأنه مقبرة نزورها، من دون أن ننبش ما فيها، ولفهم معنى التطور علينا النهوض، ويتم ذلك في الاستثمار في اللحظة، لأن الوقت يداهمنا، فالفرق هائل بين التخلف والتطور، وإخضاع شعب لهذا المعنى يعني أن نذهب بسرعة لتعلم فلسفة النهوض الذي يؤدي لحتمية التطور.

النهوض يحتاج إلى توسيع الرؤية ونقلها من الشخص الفردي إلى العام، الذي يشمل جميع مكونات الوطن، وأن ننظر إليه، وأن يفسح للجميع أخذ أدوارهم فيه ما داموا جزءاً حيوياً منه، وتكوين نظرات صالحة تسكن عقول وقلوب الجميع، من دون مغالاة في التفكير والمطالب، وأن نصل إلى الاستنتاجات الواقعة التي تقبل التكتيك الذي يوصل الجميع حتماً إلى الإستراتيجية المسكونة فيها عمليات النهوض، لأن الفشل والتقهقر يأخذان من منزلة أبناء الوطن، ويضعفان مكانته.

 النهوض يتحرك واقعاً لا وهماً، لنسرع وننخرط فيه، كل من واقعه ومكانه، والفرصة أكثر من مهيأة، أم إن قدرنا أن نبقى شعوباً تعيش تحت وطأة القتال، الذي يوقف، بل يدمّر أيَّ نهوض؟!

د. نبيل طعمة



عدد المشاهدات: 165

طباعة  طباعة من دون صور


  كاريكاتير

رزنامة نشاطات المجلس





للأعلى