مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية 

حين تكون الوحدة أكبر من ذلك!!!..خالد العبود

السبت, 10 آذار, 2018


في ذكرى "الوحدة" نحتاج إلى إعادة إنتاج المقاربة الفكرية التي تقوم على السؤال التالي: "ماذا تعني الوحدة، وهل قامت الوحدة، ثم هل سقطت الوحدة"؟، كي نستطيع أن نجمع شتات أدبياتنا، وشتات بعض المفاهيم التي أكلتها السياسية، ولم تبق لها جانباً معرفيّا في حياتنا، أو دعونا نقول بأنّ الجانب المعرفي فيها غيّب لصالح معاني سياسيّة ضيقة وآنية، فكلما تمّ الحديث عن الوحدة، نتذكّر قيام "الجمهورية العربية المتحدة"، سلباً كان أو إيجاباً، فمن كان له موقف سياسيّ سلبيّ من الوحدة يستشهد بسقوط الوحدة السورية - المصرية، على أنّها النموذج الذي لم يعمّر، وبالتالي فهي رؤية خاطئة، أو محاولة بائسة من بعض أصحاب التطلعات القومية، ومن كان له موقف إيجابي من الوحدة يستهشد بنجاح الوحدة السورية – المصرية، على أنّها النموذج الذي عمّر ثلاث سنوات وأخاف المنطقة، حيث أنّ شاهده على ذلك أنّ الاستعمار والرجعية العربية تآمروا عليها وهم الذي أسقطوها، حيث أنّ غالبية هؤلاء وأولئك يبدؤون بشحن مشاعرهم ومصالحهم في ظلّ الوحدة التي غدت نموذجهم السلبي أو الايجابي..
في الواقع إنّ العقل العربي السياسيّ أخذ في مساحاته الكبرى بالحالة الوحدوية في معناها الضيق، لجهة النموذج الذي عبّر عنها في قيام "الجمهورية العربية المتحدة"، وصولاً إلى اختزال الوحدة بتجربة لم تُعمّر، وبالتالي فهي فرضية ليست واقعية، أو أنّها كانت الهدف الرئيسي الذي يرعب أعداء هذه الأمة، وبالتالي فهي لم تستطع أن تصمد في وجه أعداء الأمّة، وهو ما يضعنا أمام حالة جديدة، وهي أنّ دولة الوحدة لم تستطع أن تدافع عن نفسها في وجه أعدائها..
يجب التركيز هنا على أنّنا لم نستطع أن نفصل بين مستويات الوحدة، وبين معانيها، فجمال عبد الناصر في أدبياته الرئيسية كان يتحدّث عن الأمّة، وينادي بوحدة الأمّة، كما أنّ حزب البعث العربي الاشتراكي كان وما زال ينادي بوحدة الأمّة، وهنا علينا ملاحظة مفهوم الأمّة، فالوحدة للأمّة، ولم نقل بعد بوحدة الدولة، أو الدولة الواحدة، وهذا معنى كنّا قد شرحناه منذ سنوات عديدة، لكنّنا نتوقف عنده اليوم بغية ترسيخه أكثر في ظلّ النيل الساخن من مفهوم الوحدة..
إنّ وحدة الأمّة لا يقوم بها شخص بعينه، ولا حزب لوحده، وإّنّما هو بناء تاريخي تراكمي، تنجزه جملة من الأولويات والمشتركات في أيّ تجمع بشريّ، أينما كان، وكيفما كان، طالما أنّ هناك رئيسيات جامعة مثل: اللغة، مثلاً، فالأمّة الفرنسية موجودة وهي تعيش واقعاً موضوعيّاً، كذلك بالنسبة للأمّة الألمانية، وهو بفضل اللغة، حيث أنّ علماء الاجتماع والسياسية يصرون على أنّ اللغة هي رئيسيّة الأمّة، كون أنّ اللغة حاملة الثقافة والمعرفة والمشاعر ومنجزة الشعور أخيراً..
أيضاً علينا الانتباه أنّ الأمّة لا يمكن لها أن تُنجَز في لحظة تاريخية محدّدة، وإنّما هي، كما قلنا أعلاه، تحتاج إلى تراكم تاريخي طويل، وهي بالتالي لا يمكن تجاوزها كأمّة في لحظة تاريخية محدّدة أيضاً، وهذا أمرٌ يجب الانتباه له جيّدا، بعيداً عن السياسية والشعارات والمصالح الناتئة أو الطارئة..
الأمّة بهذا المعنى ليست عرقاً، كما أنّها ليست نسباً، بمعنى أنّها أمّة لا تقوم على العرق الصافي، أو الدم الواحد، كون أنّ أحداً لا يستطيع أن يدعي ذلك بشكل قطعي بحقّ أمّة من الأمّم، لكن اللغة كانت، وما زالت، معيار الأمة الواحدة باعتبارها المعيار الظاهر والحامل لتفاهم أبنائها ومكوناتها..
يكاد يجمع علماء الاجتماع والسياسية على ذلك، وبالتالي فإن الأمّة المنجزة بفضل تراكم تاريخي موضوعي حقيقي، وبفضل حامل واحد للثقافة والمعرفة والمشاعر، لا تحتاج لمن ينجزها، باعتبارها منجزة منطقياً، لكن الإصرار على وجودها يكون منطقيّاً، وذلك عندما تكون الأمّة مهدّدة في هذا الوجود، وهذا ما كانت تتعرض له الأمّة العربية خلال القرون الماضية من عمرها..
فالأمّة العربية أمّة منجزة بهذا المعنى، وبالتالي فإنّ التركيز عليها هو تركيز على وجودها في ظل التهديد الدائم بفنائها، أو تفسّخها، من خلال فناء وتفسّخ اللغة، باعتبار أنّها حاملها الأساسيّ..
كان عبد الناصر يركّز على وحدة الأمّة العربية في ظلّ تجاذبات حادة كانت تعيشها أو تمرّ بها، حيث أنّ هناك قوى عالمية حاولت السيطرة عليها، بغيّة تمزيقها، وذلك من خلال تمزيق اللغة، لكن كيف يكون ذلك، يكون ذلك من خلال إلحاق أجزاء من الشعب العربي ببعض الفضاءات الدولية والاقليمية، وبالتالي العمل على ضرب الناجز اللغوي فيها، وهذا ما كان يحصل في بلدان الوطن العربي، والتي كان يتم الاشتغال عليها من قبل قوى استعمارية أرادت إلحاق مشيئتها بها..
فعبد الناصر كان شديد التركيز في أدبياته على الأمّة الواحدة، لأنّه كان يدرك الخطر الداهم بالنسبة لهذه الأمّة، والسؤال الكبير هنا، هل كان بالإمكان للأمّة أن يفنى أو يتفسّخ جزء، أو أجزاء، منها؟، الجواب بكل وضوح: نعم..
فبلدٌ عربيّ مثل الجزائر مثلاً، لو أنّ المستعمر الفرنسي نجح في "فرنستها" لغويّاً، وقام بربطها به لسنوات مكّنته من إلحاقها به، لكانت الجزائر بعد أجيال معدودة خارج فضاء الأمّة، غير أنّ التركيز على عروبة الجزائر من خلال اللغة، واللغة تحديداً، أبقى عليها جزءا من الأمّة، ولاحظوا هنا ما زلنا نتحدّث عن مفهوم الأمّة، والأمّة فقط..
في ظلّ هذا المعنى والتجاذب الذي كانت تخضع الأمّة له، في مرحلة تاريخية من عمرها، كانت تخضع فيه لعمليات فناء أو تفسّخ لأجزائها، كان الزعيم عبد الناصر يصرّ على وحدتها، وعلى وجودها كاملاً غير منقوص، فدعم بلدان المغرب العربي ووقف إلى جانب بلدان المشرق العربي أيضاً..
وهنا يجب الانتباه على أنّ بعض النظم السياسيّة في هذه البلدان كانت ذات أدوار وظيفية أساسيّة تلبي تطلعات وأطماع القوى التي ترى في إضعاف مكونات الأمة العربية سبيلاً لها، كي تبقى مصالحها محميّة أو محفوظة، خاصة وأنّ المرحلة كانت محكومة باقتطاع جزء من جغرافيا الأمة لصالح كيانٍ صنيع يؤمّن مجموعة من الأهداف الاستعمارية لكثير من الدول التي دعمت قيامه، وهو ما ساهم به جزء واسع من النظام السياسيّ العربي الرسميّ العربي..
لهذا نرى أنّ وحدة الأمّة لم يعد هدفاً مفصولاً عن التحرير ذاته، وهو تحرير جزء كريم من جغرافيا وجود الأمّة، وهنا نستطيع القول بأنّ هدف الوحدة، ونعني به وحدة الأمة، لم يعد هدفاً بالشكل التقليدي للوحدة، أو لتأكيدها، بمقدار ما أضحت وحدة الأمة مشروطة بتحريرها، أو تحرير أجزاء رئيسيّة منها، وعلى رأسها تحرير الأرض الفلسطينية وعودة الشعب العربي الفلسطيني..
وهنا كانت أهداف البعث واضحة بهذا المعنى، حين ركّز في أهم أدبياته، ثم مواقفه على وجود الأمّة، وخاصة في هدفه الأسمى: "أمّة عربية واحدة"، ففي هذا الشعار ما يغني كثيراً عن تفسير الحالة التي كانت تتعرض لها الأمّة كي يردّ البعث في إحدى أهم أدبياته بـ "أمّة عربية واحدة"، فالأمّة في لحظة تاريخية محدّدة معاشة ظهر هناك من كان يعمل على ألا تكون "أمّة واحدة"، بفضل ما أشرنا له سابقاً، إذ أنّ هناك فعلاً حقيقيّاً كان يتمّ الاشتغال عليه بغية ألا تبقى الأمّة واحدة!!..
هنا جاء التركيز على وحدة الأمّة ليس بالمعنى التاريخي أو حتى الثقافي، وإنّما بالمعنى السياسيّ لها أيضاً، إذ أنّ أجزاء منها، كانت تخضع لمشاريع اقتطاع وإلحاق واغتصاب، حتى أنّ أجزاء واسعة من شعب الأمّة كان مهدّداً في وجوده وهويته، أي كان مهدّداً في بقائه في جسد الأمّة ووجودها، لهذا فإنّ الأمّة بهذا المعنى كانت مهدّدة في وحدتها، ليس بالمعنى السياسيّ الصرف، وإنّما بالمعنى التاريخي والبنيوي لها..
لهذا نرى أنّه في ظلّ هذا العدوان على الأمّة في وحدتها الكاملة نشأ مفهوم "وحدة الأمّة"، علماً أنّه من الطبيعيّ لأي أمّة أن تكون موحدةً، ولكن هذه الوحدة قد تكون مهدّدة في لحظة تاريخية من عمرها، وهو ما كان يهدّد الأمّة العربية في أكثر من لحظة تاريخية..
وهنا السؤال الكبير: هل استطاع عبد الناصر ومعه كثير من أبناء هذه الأمّة، وعلى رأسهم حزب البعث العربي الاشتراكي أن يحافظوا على وحدة الأمّة، الجواب، وبالفم الملآن: نعم، لقد حافظت القوى القومية العربية على وحدة الأمّة، والدليل أنّه حتى اللحظة هناك أمّة تعيش في جغرافيا معروفة ومعلومة ومحدّدة، وهو أمر واقعي موضوعي ثابت، وتدعى هذه الأمّة بالأمّة العربية، حاملها الرئيسي لغة واحدة..
بعيداً عن السياسة، وبعيداً عن الأيديولوجيا، وبعيداً عن انزياحاتٍ وميولاتٍ من هنا وهناك، علينا أن نعترف بأنّ واقعاً موضوعيّاً يتحدّث عن أمّة واحدة حاضرة، وهي تعيش فوق جغرافيا محدّدة وفق حدود معلومة تماماً، وهذا بحدّ ذاته يبقى إنجازاً كبيراً جدّاً لا يمكن لأحدٍ أن يقوم بالقفز فوقه أبداً..
نحن هنا نتحدّث عن الأمّة العربية بعيدا عن قوتها وضعفها، وبعيدا عمّا مرّ عليها، وعمّن استعمل من أبنائها في سياق مشاريع العدوان عليها، وعمّن ناضل من أجلها، بعيداً عن كل المعايير والمقاييس الأخرى، نحن هنا نتحدّث عن أمّة شاخصة حاضرة موجودة بشكل موضوعيّ، وبعيداً الدور الذي تلعبه، أو الأدوار التي تلعبها مكوناتها في الشرق أو الغرب أو في الجنوب أو الشمال..
لهذا نستطيع الجزم أنّ نجاح القوميين كان باهراً في الحفاظ على "وحدة الأمّة"، رغم المعاناة والمؤامرات ومشاريع الإلحاق أو قيام بعض أبنائها بأدوار تخدم مصالح قوى أخرى، أو حتى سرقة بعض أبنائها الآخرين لخيرات الأمّة ذاتها، أو عمل بعض آخر ضدّ الأمّة في وحدتها ووجودها، وهذا في تقديرنا صراع طبيعي ينشأ في أمّة حيّة، خاصة عندما تكون مستهدفة في هذا الوجود، وما وجودها وصمودها، رغم كلّ الذي مرّ عليها وخضعت له، إلا تأكيداً على أنّها "أمّة واحدة"..
من هنا نستطيع أن نجيب على سؤال كبير، في ظلّ معنى الوحدة، وذكرى الوحدة، هل نجحنا في الإبقاء على الأمّة موحّدة، نعم لقد نجحنا في الإبقاء على المعنى الموضوعي للأمّة بأنها أمّةٌ واحدةٌ موحّدةٌ..
من هنا نرى أنّ عبد الناصر كان مركّزاً في أدبياته على "الأمّة الواحدة"، أو على "وحدة الأمّة"، كذلك بالنسبة لحزب البعث العربي الاشتراكي، حيث كان يركّز على "أمّة عربية واحدة"، في حين أنّ التركيز على "وحدة الدولة" كان تالياً، أي كان متأخراً في أدبيات كلّ منهما، باعتبار أنّ "الدولة الواحدة" لـ "الأمّة الواحدة"، ونعني بها الأمّة العربية، إنّما هو مفهوم سياسيّ صرف يحتاج إلى استراتيجيا الوحدة، واستراتيجيا الوحدة قد يتمّ الاختلاف عليها، كون أنّ الوصول إليها، أي للوحدة، بمعنى "الدولة الواحدة"، أو "الأمّة الواحدة" في "دولة واحدة"، لا يمكن أن يكون إلا من خلال بيئة ضامنة لها، وخطوات سياسية واقتصادية واجتماعية مؤاتية، وهنا تمّ الاختلاف حين رفع عبد الناصر ثلاثيته في الـ "حرية – اشتراكية – وحدة"، في حين أنّ حزب البعث العربي الاشتراكي رأى أنها في: الـ "وحدة – حرية – اشتراكية"..
هنا كان الاختلاف على استراتيجية قيام "دولة الوحدة"، إذ أنّ التحدّي الكبير أمام "أمّة واحدة" يتجلّى في كيفيّة انتقالها إلى "دولة واحدة"، فهل تكون "الوحدة" أولاً، نعني بها وحدة الأمّة في دولة واحدة، أو انخراط الأمّة في دولة واحدة، أم أنّ الأمّة المجزّأة تحتاج إلى مراحل أخرى قبل قيام دولتها الواحدة؟..
اختلف عبد الناصر مع قوى قومية عربية أخرى على طريقة قيام "الدولة العربية الواحدة"، ولم يستطع أحدٌ من القوميين العرب، أبناء الأمّة الواحدة، أن يقدّم تصوّراً معقولاً لقيام "دولة الأمّة"، بالرغم من أنّ كثيرين قد تحدّثوا في بعض العناوين التي لا ترتقي لمستوى النظرية، فقد بقيت تصوّرات و أفكار ليس إلا، خاصة عندما طرح البعض مفهوم "الدولة القاعدة"، ومعناها التي تقوم دولة عربية بدورها كنواة جاذبة لانضمام باقي أجزاء الأمّة إليها، ولكن "الدولة القاعدة" وضعت لها صفات محدّدة تؤهلها أن تكون جاذبة لباقي المحيط العربي..
كما أنّ آخرين تحدّثوا عن الوحدة التي تقوم على العنف، بمعنى أنّ هناك دولاً عربيّة وازنة لا يمكن لـ "دولة الأمّة" أن تقوم دون قيام هذه الدول الوازنة بابتلاع الدول الضعيفة بطريقة القضم المتتالي، أو الزحف الإيجابي، من قبل دول كبرى باتجاه دول صغرى، وهذا المعنى طرُح بشدة خلال القرن الماضي، خاصة بعد نجاح قيام الدولة الوطنية العربية..
لكنّ كثيرين لم يدركوا أنّ قيامة "الدولة الأمّة" تحتاج إلى أكثر من طرف كي تقوم، كون أنّ عنصراً واحداً من عناصر الأمّة لا يمكن له أن يقيمها وحيداً، وهي ليست مسؤوليته أصلاً، فالغريب فيمن حاسب عبد الناصر، أو حزب البعث العربي الاشتراكي، على عدم قيامة "دولة الأمّة" نسوا، أو تناسوا، أنّها عمل جماعيّ قبل كلّ شيء، فمثلما هي "وحدة الأمّة" بحاجة لأطراف الأمّة كي تكون، كذلك بالنسبة لـ "دولة الأمّة"، فهي بحاجة لعمل مشترك وبيئة إيجابية، وإلا فإنّ العمل على إقامة "دولة الأمّة" يمكن أن توضع في سياقات أخرى ومعاني أخرى تصبح عالة على "وحدة الأمّة" ذاتها، وهذا ما حصل في بعض التجارب الوحدوية التاريخية..
والمضحك في المشهد أنّ أولئك الذين ينتقدون عبد الناصر وحزب البعث العربي الاشتراكي، لإخفاقهما في قيام "دولة الأمّة"، كانوا من أشدّ الرافضين لها والعاملين على إسقاطها بأي شكل من الأشكال، كونهم رأوا فيها عدواناً على مصالحهم والدور الذي يلعبونه في سبيل ألا تكون!!..
في خضم هذا المشهد التاريخي كانت الوحدة "السورية – المصرية"، وهي وحدة ناقصة، لكن بأيّ معنى، بمعنى أنّها قامت بين مكونين عربيين فقط، أي أنّها لم تكن "دولة الأمّة"، لكنها كانت من الممكن أن تكون "الدولة القاعدة" لـ "دولة الأمّة"، أو كما قال المرحوم "نديم البيطار"، وكان يمكن لها أن تتسع وتستطيل باتجاهات عربية أخرى، وهذا ما أخاف قوى دولية وإقليمية كانت وراء إسقاطها، وبالتالي فإنّ الذين يتحدّثون عن فشل الوحدة بهذا المعنى فهم يخلطون بين فشل التجربة وفشل الوحدة، فالتجربة فشلت نعم، باعتبار أنّ هناك من أفشلها، وأسقطها، من خلال التآمر عليها، كون أن مصالحه قد تضررت من خلالها، أمّا فشل قيام "دولة الأمّة" لم يحصل، باعتبار أنّها لم تقم أصلاً، حيث أنّ ظروفها الموضوعية ليست قائمة، كون أن التحدّي أمامها كبير جدّاً..
إضافة إلى أنّ الوحدة "السورية – المصرية" عندما قامت أضرت بمصالح كثيرين، بشكل مقصود أو غير مقصود، وهذا أمر طبيعي جدّاً، ويجب أن يكون، باعتبار أنّ هناك مصالح قائمة في ظلّ غياب "دولة الأمّة"، وهذه المصالح كبيرة وهي تعني أفرادا وجماعات من أبناء الأمّة، لكنّها قائمة على أساس غياب "دولة الأمّة"، أي مصالح تتغذى على تجزئة "دولة الأمّة"، وهؤلاء إذا لم يدركوا أبعاد قيام هذه الدولة فإنّهم سوف يرون فيها ضرباً لمصالحهم، وهم لم يستوعبوا أنّ هذا حقّاً من حقوق الأمّة في ظلّ مصالحهم التي تمّ النيل منها..
فالوحدة "السورية – المصرية" بهذا المعنى نالت من مصالح بعض السوريين والمصريين، كما أثرت على مصالح أنظمة عربية أخرى، وهذا بحدّ ذاته أساء للوحدة، كون أنّ سلطة دولة الوحدة لم يتسن لها فرض سطوتها، أو سلطتها، وفق معنى جديد للمواطنة، كون أن سورية اتسعت بفضل مصر، ومصر اتسعت بفضل سورية، وهناك شبكات علاقات واصطفافات واسعة قد نشأت، كما أن هناك شبكات علاقات واصطفافات قد تمّ النيل منها، كون أنّ الوحدة ذاتها جاءت معها نظم اقتصادية وسياسية جديدة، على حساب نظم اقتصادية وسياسية سابقة، فشكل الدولة وعلاقتها بالبنى القائمة قد اختلفت، كون أنّ نموذج الدولة السورية قد تغيّر، ليس بفضل الوحدة فقط، وإنّما بشكل نظام الحكم الذي أسس لدولة جديدة..
كما أنّ هناك بنى جديدة قد نشأت على حساب خرائط سياسية واقتصادية جديدة، وبالتالي فإنّ كثيراً من السوريين والمصريين لم يجدوا أنفسهم في دولة الوحدة، كون أنّ نظام الحكم الجديد تجاوز مفهوم الدولة السابقة، فالطبيعي أن يكون هناك مستفيد ومتضرّر، وهذا كلّه ليس أساسيّاً أو رئيسيّاً، كون أنّ الهدف الرئيسيّ كان الوحدة، باعتبارها الخطوة الأولى باتجاه "دولة الأمّة"، وفي "دولة الأمّة" فإنّ مصالح الأفراد والجماعات يعاد إنتاجها من جديد، ليس على أساس التجزئة وإنما على أساس الوحدة، كما أنّ "دولة الأمّة"، أو أيّ خطوة وحدة تؤدي إليها، سوف تعيد إنتاج المصالح وفق أسس أكثر موضوعية، خاصة وأنّ النظام السياسيّ الذي سيعمل على إنجاز مشروع قيام "دولة الأمّة" لا يمكن له أن يشبه النظام السياسي لأنظمة كيانات دول الأمّة الواحدة، فهناك تفاوتٌ أخلاقيّ وقيمي بين النظامين، وكلّ منهما سينتج خرائط مصالح خاصة به، لهذا فإن هناك متضررون وهناك منتفعون من الوحدة وهذا أمر طبيعي جدّاً..
ففي دولة الوحدة هناك متضررون بالمعنى الاقتصادي والسياسيّ، وهناك متضررون بالمعنى الثقافي والاجتماعي، وهؤلاء جميعاً بالأساس هم ضدّ الوحدة، كونهم يرون فيها عدواناً على مصالحهم وعلى ما يؤمنون به، وهو أمر لا يمكن أن يقاس عليه أبداً، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار نسبة هؤلاء بالنسبة للذين استفادوا من الوحدة ومن شكل النظام السياسي الذي جاء بها، باعتبارها قيمة أمّة قبل كلّ شيء..
فالوحدة "السورية – المصرية" لم تكن وحدة جغرافيا فقط، بمقدار ما شكّلت انقلابا هاماً في نظام الحكم بالنسبة لحياة السوريين، خاصة إذا ما أخذنا المعنى الاشتراكي للنظام السياسي الجديد، فقد حصلت ثورتان في حياة السوريين، فأولاً هناك مصالح ناشئة جديدة غيّرت خارطة مصالح سابقة، كما أنّ هناك شكل نظام سياسيّ جديد كان حاملاً لأشكال جديدة من النظم الاقتصادية والاجتماعية، حيث أنّ التأميم شكّل عملية هائلة بالنسبة لمراكز قوى رأس المال السوريين، مثلما أعاد الاصطفاف الاجتماعي بالنسبة لهم، فالوحدة لم تشكّل هزة كاملة في حياتهم بمقدار ما كان شكل نظام الحكم الناصري هو الذي نال من توضعات سابقة، سلباً وإيجاباً، وكان ذلك يحتاج إلى زمن كاف كي تستقرّ أمورهم وتوضع على سكّة جديدة وفق نظم جديدة..
كثيرون هم السوريون الذين وجدوا في الوحدة مبتغاهم، ليس في الوحدة بحدّ ذاتها، وإنّما في شكل نظام الحكم الناصري الجديد، فربطوا هذا الانجاز بالوحدة، كما أن بعضاً من السوريين لم يجدوا في الوحدة مبتغاهم، فربطوا هذا الاخفاق بالوحدة، وهذا في الحقيقة ظلمٌ للوحدة، والطرفان حين يتحدّثان لا يفرقان بين "الوحدة" وبين "نظام الحكم الناصري"، أو شكل النظام الذي جاء بالوحدة..
إذن.. عندما يتمّ الحديث عن الوحدة السورية – المصرية، علينا أن نفصل وبشكل دقيق بين الوحدة كمعنى سياسي واقتصادي واجتماعي جديد، وبين النظام السياسيّ الذي قاد دولة الوحدة، ثمّ علينا أن الانتباه جيّداً أنّ هذه الوحدة لم تقم في بيئة مستقرة، إقليمية ودولية، باعتبار أنّ أنظمة عربية وغير عربية تعاملت مع الوحدة، وتحديداً مع ما قام به الزعيم جمال عبد الناصر، على أنّه عدوانٌ ليس على سورية فقط وإنّما على بنية المنطقة بأسرها..



عدد المشاهدات: 765

طباعة  طباعة من دون صور


  كاريكاتير

رزنامة نشاطات المجلس





للأعلى