مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية 

حين تباعُ الأوطان.. سورية نموذجاً!!..خالد العبود

الخميس, 11 كانون الثاني, 2018


في الأسبوع الثالث من الشهر الثالث وما تلاه من عام 2011 عندما كان الاعلام العربي والعبري على حدّ سواء يقصف دمشق، ويقصف قيادتها بالتحديد، من خلال "الشعب يريد"، على إيقاع تكبيرات سلالات "العرعور" المنتشرين في أصقاع واسعة من جغرافيا الوطن، ودعوات "القرضاوي" بالقتل والقتل فقط، من أجل قيام "دولة الإيمان"، على أنقاض "الدولة الطائفية"، أو كما زعم يومها، في هذه المرحلة لم يكن هناك متّسعٌ لتنظيف الكلمات أو حتى المواقف، أو حتى استشفاف النوايا، فالعباقرة مشغولون بلحظة "سقوط الأسد"، فمنهم من أعدّ البيانات ومنهم من أعدّ الكمرات وآخر أعدّ ابتساماته العريضة على إيقاع تقارير صحفية وتلفزيونية مطرّزة باللغة وكلّ قواعد "سيباويه" المكتوبة بالعبريّة هذه المرّة!!!..
في تلك الأيّام من عمر العدوان على قاسيون وعلى عاصمة الأمويين كان الكثيرون على موعد مع سيناريو بغداد الجديد، فهؤلاء فرحون لتكرار الحالة، وكأنّ بغداد الرشيد بعد تفتيت جيشها وسقوط الدولة فيها، كأنّها أضحت نموذج الشرق الذي يُحتذى، أو الذي تطمح إليه قوى وشعوب المنطقة، علماً أنّ كثيرين من الذين هلّلوا لهذا العدوان الجديد كانوا يوزّعون المواعظ على "معارضة العراق"، حين كان "بوش" يعدّ أساطيله على إيقاع أوجاع الأمّة ودموع اليتامى ودماء الضحايا، وحين كان النفط العربيّ يغرفُ لقوات الغزو الأمريكيّ ما تريد ويمدّها بتسبيح ودعوات من عنده..
كانوا جميعاً بانتظار "سقوط الأسد"، وبتكرّار ذات السيناريو العراقي، وهزيمة "البعث" ثم اجتثاثه، وكانوا جميعاً يعدّون سيوفهم وكلماتهم وشماتتهم بتمزيق الجيش الذي ما انفكّوا يركزون عليه، تارة بالطائفي، وأخرى بالجيش الذي يحرس البوابة لكيان الاحتلال، وتارة ثالثة بالجيش الذي لا يدافع إلا عن السلطة، ويعنون بذلك الدفاع فقط عن الحُكم في سورية، وهناك من ذهب بعيداً بقوله أنّ هذا الجيش لم ولن يصمد أمام "الثوّار" القادمين من جوف الأمّة المقهورة والمغيّبة، الأمّة المسروقة من سلطة مستبدة طاغية كافرة، ولا أدري كيف أنّ كلّ هذه الصفات والنعوت والقرارات أُخذت بلحظة من عمر الزمن، فقد تبدّل كلّ شيء، وانقلب كلّ شيء، لم يعد السياق التاريخيّ طبيعيّاً، فالقوميون واليساريون والعلمانيون والليبراليون الذين كانوا يرون في الدولة التي أسّسها الراحل حافظ الأسد دولة قادرة على حماية الحدّ الأدنى للنموذج العربي الذي يمكن أن يعيد حقوق الأمّة أو يحافظ عليها في زمن الخيبات والتطبيع والاستسلام، وفي زمن الانبطاح على عتبات وبوّابات كيان الاحتلال، وفي زمن اللحاق الكلّي بالعصر الأمريكي، لا أدري كيف انقلب كلّ هؤلاء، ولم يعد أمام عيونهم إلا صورة ثورة افتراضية كانت هناك قوّة جبارة لاستحضارها أو حتى لجعلها أمراً واقعاً..
ساعات طويلة من البث وتقارير طويلة جدّا عن "الثورة" و"الثوّار"، وإنجازات كبيرة تسوّق على أنّها من صنع حالة ثوريّة تكتسح المنطقة والشارع السوري، من خلال إعلام أعدّ جيّدا للهزيمة أمام جحافل الخارجين من جحور التاريخ، وجهابذة الفكر يتصدّرون الشاشات شرحاً واستعراضاً عن قوات "الثورة" التي تتقدّم هنا وتحرّر هناك، وسعادة لا توصف من قبلهم وهم يتحدّثون عن سقوط بعض المواقع العسكرية للجيش العربي السوري، أمام "ضربات "الثوّار"، وأمام الانتصار الكاسح الذي تحقّقه "الثورة"!!!..
ساذحون ومراهقون وعملاء وخونة خرجوا من أزقة الظلام والجهل والأميّة يعرضون إمكانياتهم على أرصفة سوق البيع في لحظة نخاسة لم تحصل في التاريخ، كلّ يعرض بضاغته على شاشات البيع، فمن يتشري وبكم يشتري؟، والكاز العربي جاهز تماماً، فمن يتقن الشتيمة ومن يتقن الرياء والكذب والقوادة والدجل، جميعهم للبيع، وجميعهم في مزاد الدم، على حساب الفقراء والمساكين الذين كانوا يُعدّون للذبح جيّداً أو للإلحاق بعصر النعاج!!..
لم يتردّد كلّ كاذب أو منافق أو دجّال أو قوّاد من أن يكون حاضراً كي يبيع، فالسوق مناسبة لكلّ هؤلاء، ولكلّ ما يحلمون به، إنها لحظتهم، وإنها فرصة العمر، أو قل ربما هي فرصة التاريخ، كي يخرجوا كلّ ما في خزائنهم للبيع، خزائنهم التي كانت قد أعدّت ليوم كهذا، أو لفرصة كتلك، فلم يتردّدوا في استعراض نذالتهم وخسّتهم، ولم يتردّدوا في أن يكونوا ملحقين بطابور الشتائم والتضليل، ولم يتردّدوا في أن يصرخوا جهارا نهارا بأنهم ينتمون لعصر الكاز وعصر ثورة الرجعية التي كانوا يشتمونها قبل أيّام!!..
تداخل القوميّ بالإسلاميّ بالعملانيّ بالليبراليّ، وإذ بالجميع في سوق النخاسة عبدة للدولار، سقطت كلّ الفوارق فيما بين هؤلاء، فأصبح المشهد متجانساً حدّ الخوف، وسُوّقَ المشهد على أنّه مشهد ثورة، لكنّ ذلك لم ينطّلِ على التاريخ بأنّه كان حالة متقدّمة من مشهد النخاسة والخيانة والعمالة، حيث أثبتت هذه اللحظة وبالدليل القاطع بأنّ الثورة لا تجمع المتناقضين حينما تكون الأهداف كريمة وعالية وجامعة فقط، وإنّما أيضاً هناك حالة أخرى تجمع المتناقضين أيديولوحيّا، إنّها حالة جديدة في مشهد لا أعتقد أنّه مرّ في التاريخ، أو أنّه يمكن أن يمرّ، إنّه مشهد بغاء سياسيّ عار تاريخيّ تماماً، بكل ما للكلمة من معنى!!..
فالمشهد الذي تساوى فيه المتطرّف الطائفيّ الظلاميّ العفن بالعملانيّ التقدميّ المدنيّ، والقوميّ العروبيّ الوحدويّ بالأخوانيّ الدعويّ الذي لا يؤمن بمعنى الوطن، هو مشهد يمكن أن يكون في حالتين فقط، الأولى أن تكون فعلاً أمام ثورة حقيقيّة، أو أن تكون أمام مشهد بغاء سياسيّ تاريخيّ لم يحصل قطّ، والغريب أنّ هؤلاء جميعاً قدّموا أنفسهم على أنّهم يمثلون الثورة، وعلى حدّ زعم المدعو "جورج صبرا" بأنّ الثورات يوجد فيها بعض المتطرفين الثوريين، حيث أشار مستشهداً بالثورة الفرنسيّة، أو كما كان يردّد المدعو "حسن عبد العظيم"، بأنّ الذي يحصل في "دوما" إنّما هو تعبير حقيقيّ عمّا تعنيه الثورة، وإذا بـ "صبرا" بعد فترة من الزمن يتراجع عمّن وصفهم بالمتطرفين الثوريين ويعترف بأنّهم إرهابيّون قتلة مجرمون، ونسي بأنّهم البارحة كانوا يحاكون الثوّار الفرنسيين، كذلك بالنسبة لـ "عبد العظيم" الذي عاد ليعترف، وهو الهارب من "دوما" والقابع في حضن المناطق التي تسيطر عليها الدولة، بأنّه ليس بمقدوره الذهاب إلى "دوما" كون أنّها مليئة بالمتطرفين والقتلة!!..
في الحالتين لم يكن "صبرا" أو "عبد العظيم" صادقين أبداً، في الحالتين كانا يجاريان ما عدّ للمنطقة، ويتماشيان مع أدبيات كلّ حالة وكلّ مرحلة، فهما في المرحلة الأولى كان مطلوباً منهما، ومن غيرهما، تسويق الحالة على أنّها ثورة، وفي الثانية كان مطلوباً منهما، ومن غيرهما، أن يتحدّثا عن الإرهاب والقتل والاجرام، كون أنّ الحالة الجديدة تستدعي ذلك، من قبل مشغِّل رئيسيّ يدير العملية كاملة، باعتبار أنّ عواصم غربية كان يطحنها الإرهاب في بعض مفاصلها الرخوة وغير الرخوة!!..
لم يكن غريباً ما آلت له الأمور، أو ما كشفت عنه الأيام، خلال سبع لم يكنّ ربيعاً، وإنّما كنّ نموذجاً لبيع الأوطان، ونموذجاً لسوق تباع فيه الذمم، ونموذجاً لاستعراض العمالة وتسليعها وتسويقها، ونموذجاً لاستغباء الناس، ونموذجاً للدجل والنفاق والخيانة، ونموذجاً حيّاً وجليّاً لعبدة المال على حساب أرواح الآخرين، مهما كان هؤلاء الآخرون، ونموذجاً لاسترقاق الكرامة الذاتية والزحف نحو السلطة، أيّ سلطة، ومهما كان الثمن!!..



عدد المشاهدات: 573

طباعة  طباعة من دون صور


  كاريكاتير

رزنامة نشاطات المجلس





للأعلى