مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية 

تداعيات الحرب السورية بين الخوف والأمل - عضو مجلس الشعب د. سمير الخطيب

الأحد, 17 أيلول, 2017


كلّ الوقائع الميدانية تؤكد أنّ الحرب السورية ماضية إلى النهاية وأنّ الرهان على تقسيم سورية وانهيار النظام فيها قد سقط وأنّ محور المقاومة وروسيا حققا نصراً سياسياً وعسكرياً أسّس لمرحلة جديدة ربما ستغيّر وجه التاريخ وحسابات الدول إقليمياً ودولياً. صحيح أنّ الضريبة كبيرة والكلفة عالية لكنّ على الدولة والشعب الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب لأنّ تداعياتها قد تكون أخطر من الحرب نفسها فما دُمّر وما خفيَ في النفوس يحتاج إلى جهود جبارة ومدروسة ومتشعّبة في كلّ الإتجاهات لتتجاوز كلّ المخلفات وتبعات هذه الحرب الظالمة على سورية.

لقد دفع الشعب السوري قبل حوالي ثلاثين عاماً الثمن غالياً على يد تنظيم الإخوان المسلمين الإجرامي، وأذكر أنّ العديد من المسؤولين السياسيين والأمنيين في سورية كانوا يتحدثون عن مفاجآت لم تكن في الحسبان، وبعضهم ظهر على الإعلام وقال حرفياً: استفقنا على أحداث هذا التنظيم أيّ بمعنى أنّ الأحداث وقعت على غفلة وبعيداً عن عيون ومراقبة ومتابعة الأجهزة الأمنية المعنية، وها هم عادوا من جديد بلباس ومسمّيات وعناوين وأدوات مختلفة جبهة النصرة، داعش الوهّابية، ومسمّيات تجاوزت العشرين تنظيماً لكنها تملك جميعها نفس الفلسفة وفكرة تكفير الآخر فالنبع واحد والمُجتهدات الفكريّة كثيرة وجذور جميع هذه التنظيمات الإجرامية تعود إلى الفكر الإخواني والوهابيّ وعلينا أن ندرك حقيقة راسخة أن هذه التيارات بمختلف مسمّياتها مهما أظهرت من اعتدال وطروحات بريئة سرعان ما تنقلب إلى متطرفة فهي ورقة رابحة في يد الغرب الصهيوني تبدّل جلدها كالأفاعي وتدسّ سمومها في جسد الأمة كلما سمحت لها الظروف بذلك على مبدأ: إنّ الأفاعي وإنْ لانت ملامسها عند التقلب في أنيابها العطبُ.

لن يتوقف الإسلام السياسي أو يتراجع أو ينتزع من ذهنه أن دولة الخلافة يجب أن تقوم ولا سبيل لذلك غير الجهاد ولن يتراجع وسوف يعيد التجربة ويستفيد من نقاط قوته ويقلص نقاط ضعفه، وعلى ما يبدو أنّ الأجيال القادمة لن تتردّد في حمل السلاح وكلّ جيل من هذه الأجيال الجهادية يعتبر أنّ الجيل الذي قبله وقع في أخطاء ولم يمثل الإسلام الحقيقي، وأنّ المسلمين الحقيقيين قادمون لتحقيق النصر وإلحاق الهزيمة بالكفار!

والسؤال المطروح هنا إلى متى سوف نهرب إلى الإمام ونقفز فرق المشاكل بدلاً من وضع الحلول لها؟ وهل علينا الإنتظار سنواتٍ جديدة لحرب قد تكون أكثر بشاعة وفظاعة رغم كلّ وحشية وقسوة هذه الحرب التترية؟ لا حلّ ولا أمان لمستقبل سورية إلا المواجهة وتصفية الحسابات المعلقة أو المؤجلة والتي مهما طال الزمن لن تجلب للأمة سوى التدمير والتخلف ولنتفق على أنّ العقيدة الدينية مقدسة والمشكلة تكمن في التفسير التنويري لرسالة الإسلام والقرآن والتفسير الظلامي السائد، آن الأوان أن نفرق بين الجوهر والقشور، بين الدين ورجال الدين، مشكلتنا نحن العرب أننا نقدّس الجهل والتخلف وإذا امتلكنا الشجاعة للبحث عن الحقيقة فإننا لا نمتلك القوة للبوح بها، من أين جاءت الطائفية والمذهبية؟ من نسج خيوطها؟ كيف سنتحرّر من كوارثها؟ هل الكتب وما قاله شيوخ السنة والشيعة والعلويون والدروز والاسماعيليون منذ مئات أو عشرات السنين مقدّسة وكلّ ما قالوه معصوم؟ إلى متى ستتحكم برقابنا فتاويهم؟ ألا تكفي هذه المجازر الوحشية التي ذهب ضحيتها مئات الآلاف لا بل الملايين عبر التاريخ؟ إلى متى سيتحكم الماضي والأموات بمستقبلنا؟ إنّ الرهان على رجال الدين أو على الفكر القومي والعروبي لا معنى له إذا لم نتجرأ على مناقشته وتفنيد هذه الثوابت التي تبدو مقدسة بحكم الزمن، كفانا هروباً… فالعالم العربي الإسلامي عموماً والسوري خصوصاً بحاجة إلى التعبير عن نفسه ليخفف مما تحمّله من مصائب وأعباء، إنه بحاجة إلى قذف رواسبه وتراكماته الطائفية كالبركان وأن يبقي على جوهر الدين والقيم الروحانية والأخلاقية العليا للتراث العربي والإسلامي الكبير، فالعاقل يتعلم من تجارب غيره والنصف عاقل يتعلم من تجربته والمجنون لا يتعلم أبداً.

لقد دمّر الانقسام المذهبي بين الكاثوليك والبروتستانت القارة الأوروبية تماماً كما قد يدمّر الإنقسام السّني الشيعي حالياً والإسلامي المسيحي بلادنا، وتمكن الغرب من حلّ مشاكله تدريجياً وأسّس دولة المواطنة على قواعد الفلسفة الإنسانية الحديثة التي يتسع صدرها للجميع، وبدأ ربيع الشعوب الأوروبية الذي قطع مع الماضي ليبني المستقبل أما ربيعنا الصهيوني فقد قطع مع المستقبل لتسطو عليه قوى الماضي. وأقول بكلّ وضوح: طالما ظاهرة الإقصاء والتكفير واللعنات اللاهوتيه تلاحق المسلمين من كلّ الفئات باعتبار كلّ فئة تعتبر نفسها تمتلك الحقيقة المطلقة وهي في الجنة والباقي في النار فلا مستقبل لأمتنا أطلاقاً بل علينا أن ننتظر الحرب القادمة ونرحل عن الدنيا وأرواحنا ترتعد خوفاً على مستقبل أولادنا وأحفادنا. لقد بات القاصي والداني الساذج والمفكر يدرك أنّ الربيع الدموي لم يكن لله والوطن بل كان لأميركا و«إسرائيل».

وبالتالي لدينا عمل كبير ونحتاج الى آليات جديدة، فالتحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تحتاج الى قادة من طراز رفيع في كلّ المفاصل بعيداً عن المحسوبيات الرهيبة ودوائر القرار الضيقة والإستزلام وإيصال أشخاص الى مواقع القرار هم بحدّ ذاتهم مشكلة، الأمر الذي يتطلب منا البحث عن الكفاءات والطاقات الخلاقة المبدعة للنهوض بالوطن وإعادة النظر في مفهوم الأمن الثقافي والعملية التعليمية لإنقاذ شبيبتنا من التشوّه الفكري، وهو مشروع ثقافي ضخم جداً، وعلينا أن نقدّم خطاباً واقعياً يحترم عقول الناس ونشجع ثقافة البناء لا الهدم وتقوية انتماء الشباب للأسرة والوطن والكثير الكثير من الأمور التي تحتاج إلى كتب وليس إلى مقالات عابرة، وكما استُغِلّت ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات للإسراع في التدمير يجب ان تستغلّ للإسراع في البناء والتعمير.

ويبقى التحدي الأكبر هو في الحلّ السياسي القادم وخطورة أن يحمل في جوانبه أيّ فرصة لعناوين مفخخة ومفرّقة، وعلى الرغم من كلّ الشعارات الطائفية والمذهبية التي ظهرت هنا وهناك لم تكن الحرب في سورية بين دين ودين أو بين مذهب ومذهب، بل كانت بين عقلاء مؤمنين من مختلف الطوائف والمذاهب ضدّ مجرمين متأسلمين مرتبطين بأعداء الوطن.

إنّ الشعب السوري بما يملك من معاني للقيم والكرامة والأمجاد الجماعية والكبرياء الوطني قادر على استعادة ذاكرته الحضارية ومواجهة التحديات، خاصة أنّ سورية بوابة عبور لأوروبا وغنية بالموارد الطبيعية والجغرافيا الرافعة والقاعدة تقول: كلما زاد الألم زاد الأمل وكلما زاد الخراب زاد الإسراع في التعمير والإزدهار.

ومن يقرأ التاريخ يجد أنّ أميركا وروسيا والصين وأوروبا تعرّضت لحروب أهلية وعنصرية ومذهبية ذهب ضحيتها الملايين من البشر لكنها نهضت وازدهرت وحتى ألمانيا واليابان خاضت حرباً مدمّرة ونهضت بعدها وازدهرت.

كنا نتمنى أن ننهض دون كوارث وفواجع لكن على ما يبدو فإنّ الحروب الخارجية والأهلية مرحلة طبيعية في مشوار تكوين الأمم الحديثة والمتطوّرة، لأنّ الأمم عبر التاريخ بحاجة إلى تفريغ الكثير من العفن الداخلي، ويبقى الأمل معقوداً على أن تكون الأجيال القادمة بمستوى الأمانة الوطنية والتاريخية للحفاظ على الوطن.

فمن لا يملك وطناً لا يملك هوية.

عضو مجلس الشعب السوري



عدد المشاهدات: 319

طباعة  طباعة من دون صور


  كاريكاتير

رزنامة نشاطات المجلس





للأعلى