مجلس الشعب السوري
اسم المستخدم
كلمة المرور
نسيت كلمة المرور
تسجيل جديد
 الرئيسية 

عظات وقانون- د. نبيل طعمة

الأربعاء, 8 آب, 2018


عنوان يقودنا إلى البحث وتقصي الأفعال التي تجعل من الأرواح خالدةً، وأن الجسم فانٍ، والتفكير جديٌّ بأن الزمن ثابتٌ ونحن متحركون إلى الأمام، إلى النهاية، وأن القداسة تتجول في العقل، لا في السماء، لا على الأرض، ولا تحتها، وأن النجاح في السيطرة على ما يهفو له القلب، أين نحن من الفكر؟ والفكر يسأل أين منا؟

من هذه المقدمة المختزلة جداً أترك لكم رسائل الحياة القائلة بأنه لم يرجع أحد من دار الفناء، ليروي لنا ما حدث معه في ذاك العالم السفلي أو العلوي، ففي الأسفل الذي يؤسس إلى ما سنكون عليه، لا يبلغ أكثر من مترين تحت الأرض، يضمنا إليه، يحولنا إلى ثرى نسج عنه، ومنه القصص المرعبة والنوعية الرائعة، وحقيقة أثر في فكرنا، بل غزاه حول ما يجري أو سيجري لنا تحت، والذي نكون عليه فوق - كما وصلنا من المقدس- واسع وجميل ورهيب، وكلاهما يحمل غاية واحدة موجودة في جميع الديانات المستوحاة أو الوضعية أو حتى الثقافية، ألا وهي إصلاح ذات البشر الدنيوية، فهل حدث شيء من هذا القبيل عبر مسيرة البشرية في شكلها النهائي؟ والإنسانية قبلها والشيئية الأولى التي بلغ عمرها المقدر من ذات فكر الإنسان العلمي المستكشف لها مليارات السنين، والكل ينتظر المخلص الذي انتظره آباؤنا وأجدادنا ومن سبقونا، وهنا أدعُ هذا للفكر الإنساني الذي غايته الأولى والأخيرة أن يستعيد إنسانيته أمام الانتهاكات الصارخة التي يمارسها ضمن مسيرته على الأرض، ورسالته التي حملها وأوجد من أجلها، ألا وهي إعمار الأرض وبنيانها بالشكل الأمثل الذي أراده لها المكون الكلي، الذي حمل أشكالاً فكرية متعددة الوجوه والرسوم، وصورة خلقه لمخلوقه المفضل آدم بين سائر مخلوقاته التي عرضها أمامه، واعتبرها خلقاً آخرين حسب تفسير الطبري الذي شاهده آدم، والذي نعتقد أنه الأول أثناء إراءة الإله ملكه له.

إن ضعف العلم وفقده الرابطة الإيمانية به يؤدي إلى ضعف الولاء وانعدام الانتماء والافتقار لقوة وقيمة الأداء وتفكك اللحمة المنسوجة بدقة، فهل نجافي الحقيقة؟ أم نسعى للاقتراب منها؟ وهي القائلة: إن دمج الدين بالسياسة يعني تعميم التخلف، وفصلها بداية التطور، وإن الفائدة لا تعود على السياسي، إن تعمقت الفكرة بقدر ما تحول الديني إلى متاجر بها، فيكثر الدعاة، ويظهر المدّعون الذين يصبح لديهم النفوذ والسلطة والسيطرة.

كيف ترون معي فكرة إذا أحب الله عبده ابتلاه؟ هل يعقل هذا؟ لذلك تدفعني الأفكار لمقاربة الحقيقة التي تخيف المدّعين، وألا أكذب كما كذب الكثيرون الذين قالوا إنهم وصلوا إليها، وأن أسير إلى فهم منظومة المكون بالخشية التي تجسّد أعلى مراتب الحب، لا بالخوف الذي يعتنقه الكثرة، ويرهبون به الآخرين.لذلك أقول: إن من يؤمن بالخرافات والأساطير والملائكة والشياطين، ومن يؤمن بالخير والشر، يؤمن بأنَّ الحياة حيةٌ متنوعة الأفكار، وأننا إلى انقضاء، وبما أن الشهوة تسيّرنا، فإننا إلى المجهول، بينما العقل يفعل فعله، الذي يطالبنا بألا ندع بطوننا تكبر فتتباطأ حركتنا، لا تأكلوا اللحوم كثيراً، فقليلها يفيد، لا تقتلوا الحيوان لأنه ينقرض بسرعة، لا تتكاثروا بسرعة فالأبناء الفاعلون ندرة، لا تتلفوا الأشجار لأن في وجودها انتعاشكم، اعتادوا بساطة الأشياء في الملبس والمأكل والحديث والحركة، كونوا كالرسل للحياة، حاسبوا أنفسكم كل مساء، وأطلقوا الوعود الحسنة لصباحكم، اكبحوا شهواتكم، وطهّروا عقولكم بالمعرفة والعلم والإيمان، بأن لكم دوراً في هذه الحياة، وأن نتاجكم مفيد لا ضرر فيه للآخر.

وصولنا للإدراك يعني أن الأديان تشكل حالة تأمين للموت في الآخرة بشكليها الإيجابي والسلبي، ومعها نجد أن الوازع الديني حالة فردية، لا تفي الآخر حقه، لأنها تتمسك في قضايا التحليل والتحريم والإجازة الفردية والدعاء للبقاء والرزق والعفو عن الخطيئة، أما القانون ويقظة أدواته فوحدهما من يوقف أخطاء الناس بحق بعضهم، ويحسن فضائلهم بحلوله بينهم، فأي إنسان يمتلك كامل أنواع الغرائز، ويتفوق لدرجة كبيرة بها على الحيوان، وهذه طبيعة مسكونة في الأحياء، لا يمكن لنا نكرانها، واعتقاده بأنه غير آثم عندما يرتكبها، أو يمارسها، وبالتالي لا يعتبر نفسه مسؤولاً مباشراً عن نتائجها، بكونها من موروثاته الجينية، أو اكتسبها من أسرته أو بيئته، وهذه المرتكبات حينما تسيء للمجتمع لا تعالج بالعظات، وإنما بالقانون الذي يحدث غالباً التعادل والإنصاف بين الجميع رغم وجود الثغرات فيه، والتي لا غنى عنها، وأيضاً من باب إغراقه بالتفاصيل الشيطانية والشيزوفرينيا الفكرية؛ أي الانفصام عن القانون واختلاف معاييره بين مجتمع وآخر، لأن قوة أو ضعف الفصل بين الأحكام الدينية والأحكام الوضعية تحكمها الحالة الثقافية في أي مجتمع مع العادات والتقاليد، فالأخلاق أساس الحياة الإنسانية، والأديان بتنوعاتها تشكل عوناً مهماً لها، لأن وظائفها الخلقية تستند إلى العلمية ونتاجاتها العملية، وليس من مهامها خلق قيم جديدة، فالكتاب أي كتاب قدم من فكر إنساني راقٍ أو منحط، وفي الوقت ذاته الاثنان يحتاجان إلى الإلهام أو الوحي أو الإيحاء، وجميعها تستلهم ما يجري في الواقع أو المحيط أو الخيال، أو إرادة تطوير الواقع، أو إبداع واقع جديد، وهذا جرى مع جميع من قدّموا العقائد، دياناتٍ كانت أم أفكاراً قيادية غايتها خلق جديد، أو التخلص من ماض وإبداع نوعي يدعو للاهتمام به.

كل هذا الذي نسير إليه لأننا في الاعتراف الكلي أبناء الخطيئة؛ أي أبناء الحياة بحلوها ومرها، ونحن جنس البشر أهم جزء في التكوين الإبداعي، لأنه من دون وجودنا لا كون، والتكوين يحمل في طياته وبين لبناته الصح والخطأ، الهدم والبناء، السلام والحروب، الغنى والفقر، فقدان الغالي والتعثر بالرخص والرخيص، رهبة الدموع التي تخلط القوت باللعنات، والعذابات بالمجون والترف، وتأملات معارك دامية تخطط في الظلمات، تكمل حواسها الكؤوس المترعة، ورنينها يوحِّد الأحاسيس بعد التقاء النظرات، فالشيطان بالبابلية القديمة يعني ضدك الذي يسكنك، وإبليس يعني الواشي لك وعنك، وأجد أن أهم مشاكل البشرية التي عاشتها، ومازالت تعانيها هي تلك القائمة من فلسفتي الخير والشر، وبماذا يختلف الإنسان عن أخيه الإنسان، كيف بعالمنا المتحضر العلمي والعلماني والمتديّن يتحدث عن الفصل بين الأمم والشعوب، هذا متخلف، ويجب أن يبقى متخلفاً، وهذا متطوِّر، وينبغي أن يتطور أكثر، أوَلم يكن العنصريون ومازالوا متدينين وهم كثرة؟ إنهم يسيطرون في أكثر من مفصل على الحياة، ويفصلون أنفسهم كأغنياء وأقوياء وكهنة ودهاة.

ليست العنصرية في فصل الألوان أو التمييز بينهما وتفضيل الأبيض على الأسود، إنها الأكثر انتشاراً بين طبقات المجتمعات المخملية؛ سياسية، اقتصادية، اجتماعية، دينية، محلية كانت أم عالمية.

أليس فرز المجتمعات عنصريةً؟ وعلاقة الظلم والظلام والمظلومين والمحرومين مع تلك الطبقات تعتبرهم دوناً، من يعمل على الانحناء للإنسانية وتدليلها؟ ما معنى قتال الناس لبعضهم؟ وأن يسلم الناس من بعضهم، وأن يكون وجود الرب الفيصل الدائم فيما بينهم، يلجؤون إليه ليرحمهم من أنفسهم، لأنه لا يرحم بعضهم بعضاً، أوَلم يكن بقدرته أن يكون الجميع ملائكة وأغنياء أو أتقياء؟

لاحظوا ودققوا، إن جميع أحاديث البشرية قادمة من خوف بعضها بعضاً، لا من إلهها، كتبت لهم الكتب المقدسة، فراحوا يفسرونها حسب أهوائهم واستعدادهم الدائم لانقضاض بعضهم على الآخر، فهل نتفكر في الحاصل الزمني التاريخي وصولاً إلى حاضرنا من أجل غدٍ أفضل؟

د.نبيل طعمة

 



عدد المشاهدات: 103

طباعة  طباعة من دون صور


  كاريكاتير

رزنامة نشاطات المجلس





للأعلى