www.parliament.gov.sy
السبت, 31 كانون الأول, 2016


من يستطيع إحصاء كم من المحسوبين على النظام تواروا عن الأنظار.. وكم منهم وقف في المنطقة الرمادية وهم ينتظرون صعود الدخان الأبيض أو الأسود من مدخنة الحدث السوري الراهن.. وكم منهم أظهر ما لا يبطن - وأبطن ما لا يظهر، وكم منهم لزم الصمت وترصّد السماع والصيد في الماء العكر وكم انخرط في الهمروجة الشوارعية التي نادت بحرية منظومة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وإطلاق اللّحى وتقصير الجلاليب وحمل العصي التي أفلتت من عقالها وعقلها.. وكم منهم انخرط في منظومة رئيس "حزب الأصالة" المصري الجديد وفتاويه بتحريم قراءة أدب نجيب محفوظ باعتباره كاتباً يدعو إلى الرذيلة والإلحاد، ومن يطالب بتغطية الآثار المصرية والتماثيل العريقة وحجبها عن الناس.. بمعنى إسدال الستار على التاريخ المصري العريق والموغل في القدم.. هذا بعضٌ من نتاج ثورة مصر..
كم من المستفيدين من النظام وممَّن شغلوا مواقع حكومية ومنها إعلامية يمارسون اليوم سياسة الانتقام من النِّعمة التي أغدقها النظام عليهم طيلة العقود الماضية.. حتى إذا ما انقطع الغيث، أو وصل أصحابه إلى التخمة انقضّوا كالرقطاء ينفثون سمومهم عبر الفضائيات المعروفة بدورها التضليلي والتخريبي بلا حياء ولا وجل..
كم من القائمين على مواقع السلطة لا يأبهون بما يدور حولهم.. ولا يرفّ لهم جفن مما يجري وقد يجري، آثروا "الاستمتاع" بالمنصب والتلهّي بأدواته والعبث في صلاحياته مع أن الخطر يحيط بالوطن من كل حدب وصوب..
كم من حَمَلة الأقلام نكّسوا أقلامهم وطووا دفاترهم ولاذوا في مقاهي الشام يمارسون النميمة الشفوية غير المدونة، وغير المسؤولة والثرثرة البلاجدوى، نقد هنا.. وتجريح هناك وسفسطائية في مكان ثالث..
كم من المسؤولين السابقين يحمّلون المسؤولين الراهنين مسؤولية ما يجري فيما يفرك الطرفان أيديهم ويطقطقون أصابعهم أن لا حول ولا قوة إلا بما يرسمه القدر، أو تسفر عنه هذه السنة الرقطاء التي تلملم أرديتها المدمّاة بالدم السوري الطاهر الذي سفكته على جنباته بعد أن نفثت من سمومها ما يكفي لتسميم حياة الناس.. وكشّرت عن أنياب مسمومة.. مستوردة.. تركت ندوباً في الجسم السوري.. وخلّفت وراءها أشلاء.. ودماء.. وعاهات جسدية ومجتمعية يصعب مداواتها ولو بعد حين..
"ثائر" يقتل أخاه لأنه مكلف بإطلاق النار على المتظاهرين لكي يُتهم رجال حفظ النظام ولكي تجد العربية والجزيرة ما تبثه، وطالب يطلق النار على زملائه وهم في قاعة الامتحان، وتفجيران إرهابيّان استهدفا الناس في بيوتهم قبل أن يستهدف الأمن ترحيباً "بلجنة نبيل العربي"، وسيدة عربية من لجنة الجامعة مارست قرفها وصمتها وازدراءها من خلف زجاج السيارة التي تقلّها من وإلى أشلاء الضحايا المتفحمة ولم تشأ "حياديتها" الإعراب عن حجم الإرهاب المستخدم في العمليتين الطازجتين ودخان الحريق ينبعث من الأجساد المختلطة بالبارود المستورد العابر للحدود السورية – اللبنانية.
ألم تقدم سورية أكثر من 11.000 شهيد من جنود الجيش العربي السوري دفاعاً عن لبنان من أهله أولاً ومن أعدائه ثانياً، مجموعات إرهابية عبَرت لبنان لرد الجميل السوري بالدم السوري نفسه؟
إنها سنة المفارقات العجيبة، والروايات العابرة للعقول والقيم والمفاهيم وحتى للمألوف من الإرهاب..
إلاّكِ أيتها البقعة المضيئة في الحياة التي هرول بك الزمن مسرعاً يستدرك ما بقي من السنة الرقطاء ومن عمري.. رمّمتِ بعضاً من الجرح وبعضاً من الحب..
إلاّكِ وحدك أيتها الناصعة كالشمس.. المضيئة كما البدر.. الواضحة كما النفس الوطنية بامتياز، فقد سبقتِ أجيالنا في فهم الوطن وإدراك كنْهِِ الأرض.. اكتشفتك، وإنني فخور باكتشافي.. ظننت أنكِ منغمسة في الحياة أياً كان لونها لكنني تيقنّت أنك تعرفين عن أي حياة تبحثين وأنت القائلة إنها سورية..
فإذا كانت لجنة المراقبين العربية قادرة على إحصاء وتدوين الخسائر المادية والبشرية فكيف لهم أن يحصوا الخسائر النفسية والوجدانية التي أهابت شعبنا السوري العظيم، رحلت الرقطاء، وانسدلت خصلة الضوء على العتمة علّها تتسع أشعتها لتغمر النفوس بالمحبة.